فهرس الكتاب
فالخلافة هنا (( غادة هيفاء مدلَّلة ملول، فُتِن الناس بها جميعًا، وهي تأبى عليهم، وتُصُدُّ إعراضًا، ولكنها تأتي للمهدي طائعة في دلال وجمال، تجرّ أذيالها تيهًا وخفرًا ) ) ( [39] ) ، أو تأتي إليه منصاعة ذليلة؛ فهي هنا امرأة حسناء جميلة تطيع الخليفة صاغرة. ... بعدي وجوهٌ فيك مُنَعفِرَهْ
إذًا فالتخييل يقوم على التجسيم والتجسيد ببثّّ الحياة في الجمادات اعتمادًا على التشبيه والمجاز؛ متخذًا منها وسائل لتجسيد المعاني والخواطر والأفكار.
وقد ارتبط التجسيم في النقد العربي القديم بالتقديم الحسي للمعنى وتشخيصه اعتمادًا على الاستعارة في الدرجة الأولى مع إضفاء الشاعر شيئًا من أحاسيسه ومشاعره بتخييل منه غير ناسٍ المتلقي، تاركًا في نفسه أثرًا ما، كما لاحظنا من خلال الشواهد التي ذكرناها لأبي العتاهية فما تحدث عنه كان أمورًا تلازم كل إنسان ويعايشها طوال حياته؛ ولذلك استطاع الشاعر بتخييله وتجسيمه وتشخيصه أن يترك فينا أثرًا فاستجبنا لما قال وانسقنا وراءه.
2 ـ الإيماء والإيحاء
اتخذ التخييل من الإيماء والإيحاء وسيلة أو أداة وعنصرًا قام عليهما، وأتى الشعراء بوساطتهما بمعانٍ وأفكار جديدة مقتصدين ومختصرين؛ إذ إن هذين العنصرين يحملان ـ لغويًا ـ معنى الإشارة والكلام الخفي، ففي (ومأ) يقال: (( أومأت إليه: أشرت ) ) ( [40] ) ، ويتضمن الإيحاء، فضلًا عن الإشارة، الإلهام والكلام الخفي ( [41] ) ، ويقع في الكلام على سبيل الرمز والتعريض، لا التصريح ( [42] ) .
وكان النقاد يعبرون عن الإيماء بالإشارة والكناية والتعريض ( [43] ) . وهو اصطلاحًا يعني"إلقاء المعنى في النفس بخفاء وسرعة" ( [44] ) دون تصريح كما هي الحال في التشبيه البليغ والكناية خاصة؛ إذ يكون في المكنَّى به إشارة غير خفية إلى المكنَّى عنه ( [45] ) .