فهرس الكتاب
وهكذا ينقب ابن الأزرق في التراث العربي والإسلامي، ويتوقف طويلًا أمام مشكلات لغوية وفلسفية نشأت في الثقافة العربية، وكانت مثار جدل ومناقشة بين مختلف العلماء، كتلك المشكلة التي أثارت كثيرًا من الجلبة والضوضاء بين"السيرافي"و"متى بن يونس"في أيهما أحق بالتقديم والتأخير علم النحو أم علم المنطق. ووجدنا ابن الأزرق يرى في كلا العلمين أنهما من علوم الوسائل، وأنهما أدنى من علوم المقاصد، ولكن عند الطلب والتحصيل ينبغي أن تقدم علوم الوسائل على علوم المقاصد، حيث أنها شرط ضروري لتحصيل علوم المقاصد ولا غناء لطالب العلم عن تحصيلها أولًا. وبصورة عامة فكل هذه المعارف والعلوم ـ وكما يرى الغزالي ـ ليست أوائلها خارجة عن القرآن الكريم، فإن جميعها مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى.
وينشغل ابن الأزرق بعد ذلك بترتيب تعلم علوم العربية، فيرى أن صناعة النحو ما دامت"لا تراد لنفسها، وإنما تطلب من حيث هي مسددة لغيرها، فرتبتها لا محالة متأخرة عن رتبة ما هي مرادة، لأن الوسائل أبدًا كذلك هي مع المقاصد وهو أمر ظاهر بنفسه". فيجب أن يعلم أهل النحو"بقصور درجتهم عن درجات أهل العلوم التي هي فوق منزلة صناعتهم" [1] . لأن هذه الصناعة كانت مُرادة لغيرها، وكانت متعلقة باللفظ أولًا وبالمعنى ثانيًا فلا جرم أنها بمنزلة القشر بالنسبة لما وراءها من العلوم المطلوبة لنفسها، وهي معارف القرآن العزيز وفنون مقصودة لأعظم وهو دعوة الخلق إلى عبادة الملك الحق" [2] ."
(1) روضة الإعلام، ابن الأزرق، ص497.
(2) السابق ص503.