فهرس الكتاب

الصفحة 21256 من 23694

منهجت علوم أبي نواس، اللغة الشعرية ومنحتها رموزًا ودلالات لا حصر لها، جاعلًا من اللغة المتجددة معبرًا يسلكه الشعر النواسي ليخاطب أجيالًا مستقبلية، تعرّف إليها بالتواصل المعرفي الروحي، فجاءت صوره متفتقة عن سموه الإنساني وموسومة بوحدة فنية مترابطة، وممهورة بصدق البوح وحكمة الصفوة، ومنطق العالم، أثبت قدرتها على الحياة في كل زمانٍ ومكان. فكان شعره تأصلًا، وتأصيلًا، واستشرافًا، أحدث زمنًا تأسيسيًا لحداثة متجددة، تهدف إلى تفعيل قدرة الكشف عن الذات الإنسانية الكونية المحتجبة بأسرارها. فكان الشعر معه"ضرورة ملحة، هي ضرورة السفر إلى أقاصي الكيان البشري والعيش في حالات روحية نادرة، حيث يتلاقى الزمان والأبدية، وينفي كل من الخير والشر الآخر، وحيث لا يتميز الذاتي عن الموضوعي، وحيث يصبح الوهم الذي تخلقه القصيدة أكثر الحقائق يقينًا [1] ".

جاء شعر أبي نواس ثورة على المألوف، ودعوة إلى رفض أشكال القمع والسلطة، ومن ثم التحرر من التبعية، والتقليد وخلق عالم أكثر حرية، تعرب فيها النفس عن جوهرها من غير غش أو زيف أو كذب. فأعطى مفهومًا مغايرًا للخطيئة وللكفر، وفرغهما من مفهومها الاجتماعي والديني، فصارت الخطيئة مطلبًا [2] والكفر غفرانًا، والخمر روحًا [3] . وتعاطيها راحة وسموًا، فهو المتوحد بها، ولها الجلال والإكرام، وهي خاصة بالكرام:

أنا ابن الخمر، مالي عن غذاها ... إلى وقت المنية من فصام

أجل عن اللئيم الكأس حتى ... كأن الخمر تعصر من عظامي

وأسقيها من الفتيان مثلي ... فتختال الكريمة بالكرام

(1) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص 28.

(2) انظر قوله:

أصبني منك يا أملي بذنب ... تتيه على الذنوب به ذنوبي

ج

(3) وقوله:

ومازلت أستل روح الدن في لطف ... وأستقي دمه من جوف مجروح

حتى انثنيت ولي روحان في جسد ... والدن منطرح جسمًا بلا روح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت