فهرس الكتاب
إن رفض أبي نواس للمفاهيم السائدة، دعوة إلى هدم صنمية القداسة وإعمال العقل في الموروث الديني والاجتماعي الذي يحتاج إلى فحص وتدقيق وتمحيص، فيكتشف الإنسان حقيقته ويصنع قدره. فلقد بدأ الشعر معه"أن يكون نظامًا أخلاقيًا، وأن يكون كذلك طريقًا للمعرفة، وهذا يعني أن الشعر لا يهدف إلى تغير الحياة وحسب، وإنما يهدف إلى تغيير الإنسان، وتكمن جدة أبي نُواس إذًا في الكشف عن الطاقات المكبوتة في الإنسان وفي تجاوز الثنائية بين الذات والكون [1] ".
أسس أبو نواس فكرًا عربيًا جديدًا قائمًا على نقد المفاهيم الفكرية القديمة من غير أن يلغيها، هدفه تغيير الظواهر التي تناقض الحياة الجديدة والعقل، مستخدمًا لغة بعيدة عن التعقيد اللفظي، لغة تعكس الحضارة العلمية التي بلغها عصر أبي نواس وتوحي بالغنى الثقافي السائد. فهو لم يتوان عن إغناء اللغة العربية بألفاظٍ أعجمية واشتقاقات ألفاظٍ منها [2] ، ولم يكن ذلك بسبب الضعف اللغوي أو التعصب الشعوبي، بل بدافع إحياء اللغة وتطويرها.
هذا الإغناء اللغوي والدلالي، ورفض الأشكال الجاهزة اتخذ مع أبي تمام مسارًا متميزًا خاصًا به متجاوزًا الماضي، أسلوبًا، وموضوعات، وأسس بشعره أصلًا لرحلة حاضرة لاحقة، مولدًا في اللغة نبضًا متميزًا بتفرده واستقلالية، لأنه موسيقى ذاته الطامحة إلى ذاتها. فثار على المألوف وحرر ألفاظه من التقليد والتبعية، فخلق لغة جديدة تغاير لغة الحياة اليومية، ولغة الحياة الشعرية السائدة، وهكذا جاءت معانيه مغايرة للمعاني المألوفة، وجاءت صوره وتعابيره مغايرة للمألوف [3] .
(1) الثابت والمتحول، تأصيل الأصول: أدونيس، دار العودة، ص 111.
(2) كقوله:
متخرسن دين النصارى دينه ... ذي قرطق لم يتصل ببنائق
(الديوان صفحة 220)
(3) الديوان: أدونيس، ج2، ص 19.