فهرس الكتاب
كان أبو تمام إنسانًا فائقًا، استطاع بقدراته الفنية والثقافية أن ينطق شعره بقيم إنسانية، موظفًا كلمته للكشف عن طاقاته الإبداعية فأسس لبداية جديدة في الشعر العربي لأنه قبل كل شيء،"مسكون بهاجس الفن، فالشعر عنده ليس أسير الحياة بل أسرها، يكيفها ويختارها، ويخلقها على مثال فني خاص [1] "، فأكسب اللفظة الواحدة دلالات فنية، فكان"أكثر المولدين اختراعًا وتوليدًا [2] "، منح ألفاظه رمزية متجددة، وأغناها بالاستعارات وأسهم في تواصل إبداعي كان له السبق في إحداثه.
وهكذا نجد أن الحياة الثقافية العربية ظلّت متوهجة بفعلٍ إبداعي يخصب جذور الماضي في حاضرٍ مشرق، حتى يصير هذا الحاضر ماضيًا مضيفًا إلى حياتنا الثقافية ضوءًا جديدًا له خصائصه.
إن علاقة الحاضر بالماضي علاقة طبيعية حتمية فكما أن الأشجار لا تطيب ثمارها إلا بالعناية بالجذر والفرع والتربة على السواء، فهكذا الحضور الإنساني الأصيل الطامح إلى غده الآتي لن يتلذذ بثمار الغد أن لم يكن له ماضٍ صحيح يخضع للفرز والتقليب. وحاضرٍ يستمد وجوده الأولي من جذره ليتخذ شكلًا مستقلًا في الصورة، ومرتبطًا في المعنى والجوهر.
وكما أن التربة تحتاج دومًا إلى مراقبة وتقليب للتخلص مما أفسده الركود فيها، فكذلك الحال مع التراث الذي يحتاج إلى طاقات الفكر المبدع ليخلصه مما علق به من جمودية التقديس، ويسهم في خلق ثمار قادرة على أن تكون بذارًا صالحًا في المستقبل وبالتالي لا تميز ولا تفرّد إلا بعلاقة صحيحة وسليمة بالتراث، تؤدي إلى تفجير طاقات المبدع، من دون أن يخسر جذوره.
هذا الترسخ والتأصل بين التراث والمبدع وما يولدانه من خلق الجديد والمتميز كانا سببًا لاتهام المتنبي بالسرقة.
(1) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص21.
(2) العمدة: ابن رشيق، ج2، ص 244.