فهرس الكتاب

الصفحة 21259 من 23694

وإذا كان المتنبي قد أغنى موروثه الثقافي وحصّنه بمعرفة عميقة بالتراث، فإنه لم يقف عند حدود الاكتساب، بل فعّل وأخصب موروثه بمختبر ذاته الإنسانية مبتكرًا شعرًا يجسّد عظمة هذه الذات، ويعبر عن ميولاتها وانفعالاتها وقلقها ورفضها وجموحها، فأفصح عن شوقها إلى الكشف والانعتاق، فكان شعره ولا يزال شعر الحداثة واللحظة المتجددة، فأسس لأصالة مازالت فاعلة ومؤثرة في حياتنا الأدبية. لقد أسس المتنبي بتمرده حالة متفردة تعكس عظمة الذات البشرية المتعالية على الصعاب، والواثقة من تفردها، والعالمة بحقيقة جوهرها. هذه العظمة والأنفة التي أنكرت عليه البوح بالشكوى من زمن يصارع فيه حدثان الدهر ومصائبه [1] ، فهو الغريب، المتوحد بألوهة تفرده"غريب كصالحٍ في ثمودِ"، سلاحه الإيمان [2] بطاقاته الجسدية والفكرية، إنه إيمان بحقيقة أقرَّت بصحتها الموجودات واعترفت له"الصحراء بما شهدت والأقلام بما كتبت [3] ".

لقد كان المتنبي"روحًا جامحة، تياهة تتلاقى فيها أطراف الدنيا. إنه الوحيد، بل الوحيد، فوحدته قدر محتوم؛ لأن الإنسان خليل نفسه. فكل متفرد وحيد، وكل وجود خلاق (...) المتنبي وحدة غاضبة لا يرضيها شيء، لكن وحدته ليست هربًا من العالم (...) إنها وحدة المجابهة [4] ".

(1) ديوان المتنبي، شرح عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، مج1 ج1، صفحة 252.

(2) المصدر نفسه، صفحة 47 ـ 48.

(3) المصدر نفسه، مج2، ج 4، صفحة 83 ـ 85.

(4) ديوان الشعر العربي: أدونيس، ج2، ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت