فهرس الكتاب

الصفحة 21260 من 23694

لم يكن تفرد المتنبي في وحدة المجابهة للكون والحياة، بل كان في خلق لغة تعبيرية بمستوى عظمته وطموحه، لقد عجن اللغة وأخرج منها أشكالًا تميزت بخلقه، حتى ارتبطت أبياتها بشخصيته، وتميَّز إيقاعها بتسامي روحه، مفصحًا عن انعكاسات جوهره الروحي بأسرار الحروف المقدّسة التي شعّت معانيها بلحظات إبداعية، احتضنت توق الشاعر إلى تكريس الكون والحياة لأناه الإنسانية غير المحدودة. فلم يكن الشعر معه صناعة [1] بل خلقًا وابتكارًا وإبداعًا على غير مثال، وهنا تكمن فذوذيته وتفرده.

طوّع المتنبي ثقافته العلمية والحياتية والاجتماعية لأغراضه وطموحاته وأفكاره فكان شعره مزيجًا من ثقافة علمية وقدرة إبداعية وحكمة إنسانية. فأسس لحداثة ما تزال قائمة في جذور تراثنا الأدبي الحي والفاعل، وهذه الحداثة تحتاج إلى فك رموزها، لأن عظمتها وديمومتها تكمن في أسرارها غير المرئية والتي تحتاج إلى الكشف، وكشفها لا يكون بتجاهلها أو تقديسها بل بفك رموزها وفض أسرارها لأن شعره عظيم والقصيدة العظيمة كما يراها أدونيس:"ليست شيئًا مسطحًا تراه وتلمسه وتحيط به دفعة واحدة، إنها عالم ذو أبعاد... عالم متموج، متداخل كثيف بشفافية، عميق بتلألؤ، تعيش فيها، وتعجز عن القبض عليها، تقودك نحو سديم من المشاعر والأحاسيس، سديم يستقل بنظامه الحاضر، تغمرك، وحين تهم أن تحضنها تفلت من بين ذراعيك كالموج [2] "، ولأن شعر المتنبي عظيم سيبقى عامل تحريض في حاضرنا ومستقبلنا الثقافي، نسعى للقبض عليه أو الإحاطة به فيفلت من بين أيدينا كماء المطر، إنه حداثة حياة في أدبنا، تجدد ذاتها كالنور الذي يضيء ولا يلمس.

(1) يقول ابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء، ص 5:"الشعر صناعة وثقافة عرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان".

(2) زمن الشعر: أدونيس، ص 159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت