فهرس الكتاب
لقد كثر الكلام على الحداثة، وتعددت التيارات، وانقسم الأدباء، واعتقد بعضهم أن تبني الحداثة نوع من خيانة التراث، وشكلٌ من أشكال الإلحاد.
تظهر الدراسات الأدبية أن تقديسنا للماضي ليس ناتجًا عن دراية وتعقل وتمحيص ووعي حقيقي بالتراث، بل هو نابع من الانقياد الطوعي إلى كل غيبي لا يمكن ملامسته. فالكلام التراثي نسمعه ونقرأه ولكن لا نستطيع لمس قائله، إنه محجوب بهالة من قداسة الماضي التي لا يمكن هتكها بالكشف والنقد. لأن العقل مكبّل بقيد المادة التي لا تعبد الله لذاته، بل رغبة أو رهبة من محجوب غير مرئي وغير منكشف للذوات الضعيفة.
لذا لابد لكل عصر من وجود عدد من المجنحين بروح الكلمة، يتحسسون الغيبي بالروح غير المرئية، ويقرؤون بالعين الثالثة، ويسمعون بالأذن الثالثة. فهؤلاء لا تحجب عنهم رؤية الغيب التي تكسبهم معرفة وقدرة على ملامسة ما هو روحي أبدي، وهؤلاء خميرة لا بدّ من جودها في أزمنة إبداعية، غير مقصورة على عصرٍ واحد. فالله"لم يقصر العلم والشعر والبلاغة على زمنٍ دون زمن، ولا خصَّ به قومًا دون قوم، بل جعل ذلك مشتركًا مقسومًا بين عباده في كل دهر، وجعل كل قديم حديثًا في عصره (...) [1] "
(1) الشعر والشعراء: ابن قتيبة، ج1، ص 11.