فهرس الكتاب

الصفحة 21264 من 23694

ولما كانت الحياة متجددة في سيرورتها، لزمها أدب ينطق عنها وبها، أدب متجدد يستطيع مواكبة الحياة، واستنطاق أسرارها، أدب حي يعبِّر عن الأنا الإنسانية الكبرى في رقيها الكوني وتواصلها الشمولي، وبالتالي لا يمكننا ربط حداثة نص أدبي بسرعة انتشاره أو استحسان الآتي الوقتي له، بل بقدرة هذا النص على اختراق حجب المستقبل، والتفاعل مع أحاسيس إنسانه، والتأثير بها، لما تختزله من تعبيرٍ صادق عن مشاعره، وهمومه وقلقه، ونظرته إلى الحياة لأن المبدع الحقيقي شاعر يرتقي برؤياه إلى عالم المكاشفة والتوحد مع الإنساني الجوهري والحقيقي.

عرّف ابن رشيق الشاعر المبتكر، بالرائي الذي يرى ما لا يرى غيره فقال:"وإما سمي الشاعر شاعرًا، لأنه يشعر به غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر عليه مجازًا لا حقيقة، ولم يكن له إلاّ فضل الوزن [1] ".

تتفق نظرة ابن رشيق إلى الشاعر الحقيقي مع نظرة جبران، الذي اعتبر الشاعر رسولًا يستكشف ويبلَّغ حقيقة غير مرئية وغير مسموعة، لأنه"الوسيط بين قوة الابتكار، والبشر، وهو السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم الحب، وما يقرره الفكر إلى عالم الحفظ والتدوين [2] ".

والشعر الحقيقي ـ في رأي جبران ـ لا ترتبط قيمته بالكم بل بالنوعية التي تنكشف عنها معرفة الجوهر والمجنح بين أزليته وأبدية تلامس توق الإنسان إلى انعتاقه وحريته، وتمجيده لجوهره الروحي، فالشعر هو السجل الصادق الموحي بمشاعر الإنسان، والمعبِّر عن قضاياه بلا غش أو كذب أو تصنع.

(1) العمدة: ابن رشيق، ج1، ص 116.

(2) المجموعة الكاملة العربية: جبران، دار صادر، د.ت.، ص 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت