فهرس الكتاب

الصفحة 21269 من 23694

جدد جبران في طرح الموضوعات مستخدمًا لغة حية نامية، معصومة عن عبودية التقليد متحررة من جمودية التعبير، وهي في الوقت عينه تخضع، برضى المؤمن، لقوانين النحو المنطقية، فانغرس في اللغة وأصولها، ولم ينغرس في أشكالها المحنطة، وصدى المرددين أصواتها، ففتح طريقًا جديدًا ممهورًا بأدوات تجربته الذاتية، وهو في الوقت عينه مؤسس على أصالة اللغة وما تختص به من مرونة وتطويع، وإكساب واكتساب، فأعاد إلى اللغة العربية خاصة التطويع والاستيعاب والتعبير عن الحقائق الإنسانية"وفقًا لكل فعل وكل موقف فتحتمل الجديد من الشحنات كلما تجددت الأفعال والمواقف [1] ".

إن اللغة الجبرانية لغة حية متحركة، قادرة على النقل والتصوير والتعبير، لغة إبداعية ينتجها مبدعون انغمسوا في تراثهم اللغوي وانبثقوا عنه بفاعلية التجاوز والتغيير، ليغنوا اللغة بمفرداتها، وأشكال صياغتها فلا تجديد من غير أصل ينبثق عنه، والأصل الذي تولد منه وعنه الإبداع الجبراني هو التراث العربي الذي استمد منها ما هو صالح وقادر على التفاعل، جاعلًا منه خميرته الثقافية التي أنضجت موهبته الإبداعية بعد أن ألغى من هذا المخزون التراثي ما ليس جديرًا بالتفاعل، والديمومة.

نزع جبران نحو التجديد والتغيير من غير أن يلغي أصالة النسب، فجاء نتاجه فتحًا عظيمًا يؤسس لدراسة فكرية متجددة في مكنوناتها وعناصرها، قوامها الحضور الإنساني والتعبير عن حقيقة هذا الحضور بألفاظ لها دلالة ظاهرية، ودلالة باطنية هادفة. فأوجد تيارًا فكريًا رياديًا، شق الطريق أمام شعراء الحداثة في الخمسين سنة المنصرمة، ولكنه لم يسلم من النقد والتقريع، شأن كل ريادي مبدع يخلق حركة أدبية تلقى في أي مجتمع الرفض أو القبول.

(1) الشعر العربي المعاصر: عز الدين إسماعيل، ص 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت