فهرس الكتاب
جاء الشعر مع أدونيس استشرافًا للمستقبل، وانغراسًا في الأصالة، فكان بوح النفس البشرية عن رغبتها في الكشف والتخطي والتجاوز، وسؤالًا يحرض على هتك الحجاب الظاهري للغة، وإعادتها إلى عذريتها لتكون قادرة على التلقيح والإخصاب والتوليد. فتستعيد كمونها في التعبير عن التجربة الإنسانية ورسم، إسقاطاتها النفسية والفكرية، والاجتماعية المرتبطة بالحياة وتجددها فيتمخّض اللفظ عن صورة صادقة تعكس انفعالات النفس البشرية في أسمى حالات التجلي والكشف.
تجاوزت لغة أدونيس الشعرية الأنماط المألوفة واكتسبت طاقة تعبير وإيحاء، وصارت اللفظة عالمًا يتموج بدلالات لا تنتهي، لأن اللغة الشعرية في رأيه"تكشف عن الإمكان أو الاحتمال، أي عن المستقبل (...) فاللغة الشعرية تحويل دائم للعالم، وتغيير دائم للواقع والإنسان [1] "، فهي تأشيرة إلى اختراق الحاضر، واستباق الحدث.
ربط أدونيس الإبداع بلغة قادرة على زعزعة الطمأنينة، في النص الأدبي، وإقلاق راحة السكون في الاستسلام للمعاني، وطرح التساؤل عن الروح المحتجبة وراء أسرار الحروف، فمنح نصه الشعري فضائية الرمز، وشرف الدلالة على تجربة الأنا الكونية الصادرة عن اللاوعي الإنساني القابض على أسرار معادلة التواجد:
إنه الريح لا ترجع القهقرى
والماء لا يعود إلى منبعه
يخلق نوعه بدءًا من نفسه
لا أسلاف له وفي خطواته جذوره [2]
إنه الإنسان الرافض الرجعة والتقليد.. إنه الحياة، والحياة لا تعيد ذاتها، ولا تبلغ المنتهى.
أتجه نحو البعيد، والبعيد يبقى. هكذا لا أصل
ولكنني أضيء... إنني بعيد والبعيد وطني [3]
(1) صدمة الحداثة: أدونيس، الثابت والمتحول، ص 294.
(2) المجموعة الكاملة: أدونيس، ج1، ص 330.
(3) المصدر نفسه، ص 405.