فهرس الكتاب
هذا هو سر الإبداع الأدونيسي، هدفه اللامرئي واللا محدود. لا يعنيه الأصل إلا بقدر إضاءته، وتوحده مع البعيد الذي حمله، قضية وملجأً ووطنًا. فلا انتماء إلا لذلك البعيد المستقبلي، لذلك يعلن نفسه ثورة، تفجّر قابلية الرغبة، وتفكك الشكل المرئي للعالم. إنها ثورة تهدم لتبني، وتمنح الوجود حضورًا أكثر إشراقًا.فأدونيس يضرب بعصا الإبداع التصلب في الواقع الاجتماعي والثقافي والأدبي، الرفض المحيي.
إنني اللغم والطعم. أقنع الأرض بحضوري
وأفتت العالم كي أمنحه الوجود ضاربًا بعصاي الصخر
حيث ينبجس الرفض، وينسل جسد البسيطة معلنَّا
طوفان الرفض معلنًا سفر تكوينه [1]
لم يتخل أدونيس عن مخزونه التراثي الثقافي، بل استثمر بذوره الحية، وخصبها في مختبر إبداعه. لأن التراث في نظره ليس شكلًا محدودًا مغلقًا، بل هو"حضورنا الإنساني هو المركز والنبع [2] "، وإذا فقدنا نقطة المركز أصيبت ذرات حضورنا الثقافي بالاضطراب والتشتت والضياع، وخسرنا إحداثيات وجودنا في المستوى الثقافي الكوني. فلا مستقبل إبداعي بعيدًا عن التراث، ولا ابتكار إلا من ضمن التراث،"وإذا كان التغيير يفترض هدمًا للبنية القديمة التقليدية فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، إنما يجب أن يكون بآلة من داخله، إن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته [3] ".
يشكل الإبداع الأدونيسي نموذج فرادة، إنه النموذج الأمثل لحداثة مغايرة في عالمنا العربي. حداثة تتجاوز التعريف وتتخطى المعايير المألوفة، ولا تعرب إلا عن نفسها وبنفسها، إنها حداثة التجربة الإبداعية الطامحة إلى كشف الحجاب عن إنسانية الإنسان. وإلى البوح بأسرارها غير الملموسة.
(1) المجموعة الكاملة: أدونيس، ج1، ص 406.
(2) ومن الشعر: أدونيس، صفحة 228.
(3) الثابت والمتحول والأصول: أدونيس، صفحة 23.