فهرس الكتاب
أغنى أدونيس تجربته الإبداعية بتحرير لغته من رتابة الإقامة في زنزانة الإعادة والتكرار، ومن جمودية التقليد والتحنيط، وبث فيها روحًا جديدة، وألبسها جدّةً معنوية ولفظية لا تهرم. فالشاعر المجدد والجديد في رأي أدونيس:"ينتشل الكلمات من الغدير الذي غرقت فيه، ينسلها كلمة كلمة من نسيجها القديم، يخيطها كلمة كلمة في نسيج جديد، إذ يفعل ذلك يفرغها من شحنتها القديمة ومن دلالاتها وتداعياتها ويملؤها بشحنة جديدة، تصبح لغة ثانية لا عهد لنا بها [1] ".
منح أدونيس شعره هيكلية نمطه الفكري الإبداعي، ورؤيته الحقيقية للكون وإنسانه، فكان شعره تعبيرًا صادقًا عن جوهر الإنسان، وعن تطلعاته وأحلامه.
وقد استمد من التراث ما هو حي ومضيء، ثم فعّله في مختبر التواجد الإنساني مولدًا أنماطًا متمايزة بجدتها وديمومتها واستمرارها في الآتي، فعبّر عن أناه الإنسانية الكبرى، وعن توحدها مع ذاتها الكونية في أسمى تجلياتها.
يذكرنا واقع الثقافة في المجتمع العربي بمشهدٍ تنزع فيه الروح إلى التحرر من جسد معذّب فانٍ، فإذا كانت الحداثة بمفهومها التراثي الروح المتجددة في كل زمانٍ ومكان فإن واقعنا الثقافي يشير إلى اهتراء وترهل تطمح معه الحداثة إلى التخلي عن فاعليتها في مجتمعٍ يجهل ذاته.
إن كلامنا على ما بعد الحداثة يدفع بي إلى التمحيص والتفكير بالأسباب الكامنة وراء هذه الطروحات. فيقلقني السؤال: هل شعر روادنا بأنهم بلغوا الدرجة العليا في إبداعاتهم ولا جديد مبتكر بعدهم؟
إذا كانت هذه هي الفرضية التي تبنى عليها نظريات الحداثة المعاصرة، فهي فرضية قابلة للنقض. لأن الحداثة تأسيس على أصل لتكون أصلًا لتأسيس جديد، وبالتالي تثبت هذه الحداثة على لسان بعض روادها بعجزها على أن تكون أصلًا إذا هي ليست بحداثة متأصلة.
(1) زمن الشعر: أدونيس، ص 163.