فهرس الكتاب

الصفحة 21279 من 23694

المحطة الثانية

نقف في هذه المحطة مع لاميته التي يقول فيها:

فَسْلٌ أبو عالمنا آدمُ ... ونحنُ من والدنا أَفسَلُ

والخيرُ محبوبٌ، ولكنَّهُ ... يَعجَزُ عنه الحيُّ أو يَكسَل

والأرضُ للطُّوفان مشتاقةٌ ... لعلّها من دَرَنٍ تُغسَلُ

قد كَثُرَ الشرُّ على ظَهرِها ... واتُهِم المُرسِلُ والمُرسَلُ

وأَمقَرَتْ أفعالُ سُكّانها ... فهُمْ ذِئابٌ في الغَضا عُسَّلُ

فَأْتِ جميلًا لم يَقَعْ يأسُنا ... من أنَّهُ يومًا به يُوسَلُ [1]

فالشرّ موروث في البشر، أما الخير فمحبوب. وإنّما عَجَزَ الإنسان عنه، فكانت النتيجة كثرة الشرور على الأرض، حتى أصابت الناس كلَّهمُ.

هذا التواني هو سبب الشر. فإذا ما همَّ الناسُ بفعل الخير، دفعهم التسويف وحبُّ الحياة إلى الإرجاء... لا يستيقظون من سباتهم هذا إلا وداعي الموت يدعوهم، ولكن هيهات:

نرجو الحياةَ، فإن همَّت هواجسُنا ... بالخير قال رجاءُ العيشِ إرجاءَ

وما نُفيقُ من السُّكر المحيط بنا ... إلاَّ إذا قيل هذا الموتُ قد جاءَ [2]

وللشر أسباب أخرى غيرُ هذا الدافع النفسي اللاشعوري الداعي إلى التمسك بالحياة. ومن هذه الدواعي: كثرة الناس. فقد بلغت الشرور من الكثرة والقبح ما لو تجسدت حِملًا على ظهر البعير لما نهض به. وما سبب ذلك إلاَّ كثرة الناس.

لوَ أنَّ القبيحَ له جثّةٌ ... وحُمِّلَهُ بازلٌ لم يَثُرْ

إذا كَثُرَ الناسُ شاعَ الفسادُ ... كما فَسَدَ القَولُ لما كَثُر [3]

والسبب الثاني هو طلب المعالي:

والشرُّ يجلبُهُ العَلاءُ، وكم شَكا ... نبأً عَليٌّ ما اشتكاهُ قَنبَرُ [4]

ومما يتصل بطلب المعالي طلب المستحيل وهو سبب ثالث:

لقد ترفَّعَ فوقَ المشتري زُحَلٌ ... فأصبَحَ الشرُّ فينا ظاهرَ الغَلَبِ

ولِمْ طلبتَ أمورًا لستَ مدركَها ... ـ تباركَ اللهُ ـ مَن أغراكَ بالطلب؟ [5]

(1) م. ن بشرح اليازجي 1/61.

(2) م. ن، 1/519.

(3) م. ن، 1/519.

(4) م. ن 1/365.

(5) م. ن 1/129 ـ 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت