فهرس الكتاب
لقد تغلّب الشر على الخير، فبات زُحَل رمزُ الشر فوقَ المشتري رمزِ الخير. وما سبب ذلك إلاَّ رغبةُ النفس البشرية في المستحيل. ولعلّ هذا هو سبب قلق البشرية وتعاستها.
والابتعادُ عن الدين وقسوة القلوب وعقوقُ النفوس سببٌ رابع:
كأن قلوبَ القومِ منّا جنادِلٌ ... فليسَ لها عندَ الأمورِ حَصاةُ
إذا ما ادّعَوا للهِ خوفًا وطاعةً ... فلا ريبَ أن المدّعينَ عُصاةُ
وأوصاهُمُ أهلُ الأمانة والتُّقى ... فما حُفِظَت بعدَ المغيبِ وصاةُ [1]
أما السبب الخامس فيعود إلى الشهوة: شهوة العين والنفس والجنس. هذا ما تدفعنا إليه طبيعتنا البشرية الفاسدة المُفسِدة:
سُبحانَ من ألهمَ الأجناسَ كُلَّهمُ ... أَمرًا يقود إلى خَبْلٍ وتَخبيلِ
لَحْظُ العيونِ وأهواءَ النفوسِ وأهْـ ... ـواء الشِّفاهِ إلى لثمٍ وتقبيل [2]
ويُعَدّ السبب السادس أهم دواعي الشرور، إنه إلغاء العقل وتغييبه. لهذا حذّر المعري من شرب الخمرة:
وشاربُ الخمر يُلفى من غِوايتِهِ ... كأنّ ماردَ جِنّانٍ به سَلكَا
تُغَيِّرُ العقلَ حتى يَستجيرَ به ... مدَّ اليمينِ لكيما تقبِضَ الفَلَكا [3]
ولهذا صلة بنزعة المعري العقلية، ففعل الخير عند العاقل يَصنع المعجزات:
ما جُلِبَ الخيرُ إلى ... صاحبِ عقلٍ فكَسَدْ [4]
وهكذا كان فعلُ الجميل هو الحلُّ للخلاص من الشرور:
فَأْتِ جميلًا لم يَقَع يأسُنا ... من أنّهُ يومًا به يُوسَلُ
والمعري واثق من ثماره متفائل بها.
فإذا ما سألناه عن مصدر الشر وسببه، ردّهما إلى الدهر والمادة. فالشرُّ عنده"لا يُنسب إلى الله أبدًا، بل ينسب إلى الدهر والمادة:"
كذب الذي نسب القبيحَ إلى الذي ... خلق الأنام وخَطَّ في برسامه
(1) م. ن 1/ 161.
(2) م. ن بشرح كبابه وحمد 2/ 225.
(3) م. ن بشرح اليازجي 2/123.
(4) م. ن 1/ 326.