فهرس الكتاب
فالإله خير وكمال، والعالم شرّ ونقص، ولولا تيار الزمان الذي عكّر صفو الوجود لما تولّد الشر. ولا خوف على مصير الإنسان؛ لأنه يستطيع أن يتغلب على الشر بإتباعه العقل وإيمانه بالله وثقته بعدله وكماله. والدهر لا عقل له، أما الله فهو كما قالت الفلاسفة عقل محض، ومن اتّبع عقله فقد تشبّه بالله" [1] ."
لكن حقيقة الوجود ليست شرًّا مطلقًا، وإلا لنسب المعري الشر إلى الله [2] . والله"لا يصدر عنه إلاَّ الخير، ولا يريد لعباده إلاَّ الرحمة والعدل" [3] .
وقبل أن نغادر هذه المحطة نحبّ أن نقف عند صلة العقل بالخير عند المعري، وهو الداعي إلى"دين جديد منبثق من فضائل الأديان، وحاكم جديد، هو العقل" [4] . فهو خير نصيح ومشير، لهذا وجب إتباع ما يراه:
عليك العقلَ فافعلْ ما رآه ... جميلًا فهو مُشتار الشّوارِ [5]
فالعقل إمامه إلى فعل الخير:
سأتبع من يدعو إلى الخير جاهدًا ... وأرحل عنها، ما إمامي سوى عقلي [6]
وما صراع الوجود إلا صورة لصراع العقل والطبيعة الفاسدة:
نهاني عقلي عن أمور كثيرةٍ ... وطبعي إليها بالغريزة جاذبي [7]
فإذا كان الحل في العقل، فإن العقل وحده غير كاف لبلوغ السعادة. هذا ما يراه الشيخ محمد عبده:"العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات، والعقل هو صاحب السلطة في معرفة تلك الحاسة وتعريفها" [8] .
المحطة الثالثة
نقف هنا مع لامية أخرى يقول فيها:
لم يَسقِكُم ربُّكُمْ عن حُسنِ فِعلِكُمْ ... ولا حَماكُمْ غَمامًا سوءُ أَعمالِ
وإنما هِيَ أقدارٌ مُرتَّبةٌ ... ما عُلِّقَتْ بإساءاتٍ وإجمالِ
(1) فكرة الخير في فلسفة أبي العلاء 210.
(2) م. ن 211.
(3) م. ن 212.
(4) القيم الروحية 174.
(5) زجر النابح 98.
(6) لزوم ما لا يلزم بشرح كبابه وحمد 2/ 231.
(7) م. ن 1/128.
(8) القيم الروحية 24.