فهرس الكتاب

الصفحة 21282 من 23694

دَليلُ ذلك أنّ الحُرَّ أَعوَزَهُ ... قوتٌ، وأنّ سِواهُ فازَ بالمال

فأَمِّلُوا اللهَ، وارجُوا منه عاقبةً ... فليسَ دُنياكُمُ أهلًا لآمالِ [1]

إنّ المعري في هذه الأبيات يَفصِل بين فعل البشر وأحوال القدر. فما يُصيبنا إنما هو قدر لإثوابٌ على إحساننا ولا جزاءٌ على عقولنا... وكأنه بذلك يدعو إلى صنع الخير لذاته لإرجاء ثواب أو خشية عقاب. فإن أتينا الشرور فلنا الأمل به تعالى يغفر لنا زلاتنا. وهذا كلام مُوَجَّه أيضًا إلى من تعلَّقت آماله بدنياه.

هذه الدعوة إلى صنع الخير لذاته نجدها صريحة في قوله:

فنزِّه جميلًا جئتَهُ عن جِزايةٍ ... تُؤَمَّلُ، أو رِبحٍ، كأنكَ تاجرُ [2]

المحطة الرابعة

نعالج فيها طبيعة الخير والشر عند المعري، وسبل الخلاص من الفساد. فالخير عنده لا يقتصر على الفعل، إذ ينبغي أن يقترن العمل بنيّة الفعل، دون انتظار جزاء:

كُن صاحبَ الخيرِ تنويه وَتفعلُهُ ... مع الأنامِ على ألاّ يدينوكا [3]

والمعري في ذلك متفق مع ما ذهب إليه علماء الأخلاق الذين يرفضون الحكم بالخير على الأعمال الصالحة كلها. فالأعمال الإرادية"هي التي يُحكم عليها بأنها خير أو شرّ، ويُحاسب الإنسان على ما أتاه منها" [4] .

ويستتبع القولُ باقتران العمل بنية الفعل القولَ بالحرية."فالخيرية لا بدّ من أن تكون وليدة الحرية" [5] ، وعليه"فالإرادة التي لم يعد في استطاعتها أن تختار شيئًا سوى الخير لن تكون إرادة خلقية على الإطلاق" [6] .

ومن غريب الأمور عند المعري أن الشرّ على بشاعته ظاهر للعِيان علنًا، في حين يبقى الخير خفيًَّا:

والشرُّ مشتهِرُ المكان مُعَرَّفٌ ... والخيرُ يُلمَح من وراءِ خِمارِ [7]

(1) لزوم ما لا يلزم بشرح كبابه وحمد 2/ 253.

(2) م. ن بشرح اليازجي 1/ 345.

(3) م. ن 2/ 126.

(4) كتاب الأخلاق 12 ـ 13.

(5) المشكلة الخلقية 32.

(6) م. ن 38.

(7) لزوم ما لا يلزم بشرح اليازجي 1/ 482.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت