فهرس الكتاب
فإذا كان من الناس أبرار وأشرار:
كذاك بنو حوّاءَ بَرٌ وفاجِرٌ ... ولا بُدَّ للأيام من هَفَواتِ [1]
وكان أشرارُهم أكثرَ من أخيارهم:
أمّا إذا ما دعا الداعي لمَكرُمةٍ ... فهم قليلٌ، ولكنْ في الأذى حُشُدُ [2]
فإنّ الخيرَ والشر مجتمعان في النفس الواحدة:
أَلاَ إنّ أخلاقَ الفتى كَزَمانِهِ ... فمنهنّ بيضٌ، في العيون، وسودُ [3]
ولا عجبَ، فالشرّ والخير عنده ممتزجان امتزاج الصابِ والعسلِ:
والخيرُ والشرُّ ممزوجان ما افترقا ... فكلُّ شَهدٍ عليه الصابُ مَذرورُ [4]
ولكلٍّ من الخير والشر ثماره، فالشرّ يُورِثُ الضلال، والخيرُ يورث الفوز:
وتُضِلُّ أفعالُ الشرورِ جُناتَها ... وتفوزُ بالخيراتِ مُصطنِعاتُها [5]
وربما وُلِد الأمر من نقيضه:
رُبَّ خَفضٍ أتاك من بَعد بأساءَ ... وبؤسٍ لَقيتَهُ غِبَّ خَفضِ [6]
فالخير قد يؤدّي إلى الشرّ:
والخيرُ يَجلُبُ شَرًَّا، والذبابُ دعا ... إلى الجَنَى، إنه في الطَّعمِ قِنديدُ [7]
وما جَهِلَ الحيُّ من عامِرِ ... سرورَ النسورِ بقتلى النِّسارِ [8]
ففرحُ النسور مقرونٌ بشرور القتال.
وربّما، أخيرًا، حظي الأشرار بالخيرات دون الأبرار:
يئِستُ من انتِصافِ الحُرِّ لمّا ... رأيتُ الخيرَ وُفَِّرَ للشِّرارِ [9]
ليس في هذا الكلام خلَط، وإنما هي طبيعة الحياة. والمعري يسجّل بأمانة همومَ نفسه وقلقَه الوجودي تجاه ما خبره من الناس والدنيا، ليخرج فيما بعد بخلاصة رأيه في الأمر، راسمًا طريق الخلاص، داعيًا إلى الخير عامة، ولو سِرًَّا:
أَسرِرْ جَميلَكَ، وافعَلْ ما هَمَمتَ به ... إنّ المليكَ على الأسرارِ مُطَّلِعُ [10]
(1) م. ن 1/ 183.
(2) م. ن 1/ 260.
(3) م. ن 1/ 255.
(4) م. ن 1/ 358 وترى إحسان الملائكة أن أبا العلاء في هذا البيت متأثر بهيراقليطس (ص 15 ـ 16) .
(5) م. ن 1/ 173.
(6) م. ن 1/ 61.
(7) م. ن 1/ 270.
(8) م. ن 1/ 505.
(9) م. ن 1/ 468.
(10) م. ن 2/26.