فهرس الكتاب
وتستوقفنا هنا تلك الدعوة إلى إسرار الجميل، وكان من قبل قد لمّح إلى استتار الخير وسفور الشرور!!
فإذا قصَّر الإنسان عن فعل الخير، فأقلُّه الامتناعُ عن ارتكاب الشرور:
وإن عَجزتَ عن الخيراتِ تَفعلُها ... فلا يَكُن دون تركِ الشرِّ إعجازُ [1]
بل يكفيه من فعل الخير اسمه:
عليكَ بفعلِ الخيرِ، لو لم يكن له ... من الفضلِ إلا حُسْنُهُ في المسامعِ [2]
ففعل الخير لا يَعدِله فِعل، والمثوبة عليه تجارة رابحة:
ولن تلقى كفِعلِ الخيرِ فعلًا ... ولا مِثلَ المَثُوبةِ رِبحَ تَجْرِ
توقَّع بعد هذا الغَيِّ رُشدًا ... فمِن بعد الظلام ضِياءُ فَجرِ [3]
والتفاؤل واضح في البيت الثاني، ومن تجلياته أيضًا القول بخلود الخير وآثاره:
الجِسم كالصُّفر يكسوه الثرى صَدأً ... والخيرُ كالتِّبرِ لا يدنو له الدَّنَسُ
لو دامَ في الأرضِ عُمرَ الدهرِ مُختَزَنًا ... لما تغيَّر عمَّا يَعهَدُ الأَنَسُ [4]
ومهما طال الأمر فلا بد للخير أن يأتي:
والخيرُ قد يأتي أخيرًا، مثلَ ما ... أجناكَ يَنعُ النّخلةِ المِئخارِ [5]
والدعوة إلى الخير ذات بعد تربوي اجتماعي، فهو يُعدي على فعله:
إنْ ما طَلَتْكَ الليالي بالذي وَعَدَتْ ... فالجودُ يُشَعر تنغيصًا إذا مُطِلا
والخيرُ يُعدي كغادي مُزنةٍ هَطَلَتْ ... أرضًا، فلمّا رآها رائحٌ هَطَلا [6]
هذا، والدعوة إلى الخير عند المعري متصلة بنزعته العقلية، فالخير عنوان العقل:
من أرادَ الخيرَ فليَعمَد لَهُ ... فعليه لِذوي اللُّبِّ عَلَمْ [7]
متى أداك خيرٌ فافعليهِ ... وقولي إن دعاك البِرُّ: آرا [8]
بل وجب عليه إكراهُ النفس عليه وقسرها على فعله:
فأَكرِهْ على الخير مَجبولةً ... على غيرِهِ، في عِلانٍ وسِرْ
(1) م. ن 1/ 524.
(2) م. ن 2/ 38.
(3) م. ن 1/ 462.
(4) م. ن 1/ 551.
(5) م. ن 1/ 494.
(6) م. ن بشرح كبابه وحمد 2/ 204.
(7) م. ن 2/ 424.
(8) م. ن بشرح اليازجي 1/ 70.