فهرس الكتاب

الصفحة 21284 من 23694

وتستوقفنا هنا تلك الدعوة إلى إسرار الجميل، وكان من قبل قد لمّح إلى استتار الخير وسفور الشرور‍‍!!

فإذا قصَّر الإنسان عن فعل الخير، فأقلُّه الامتناعُ عن ارتكاب الشرور:

وإن عَجزتَ عن الخيراتِ تَفعلُها ... فلا يَكُن دون تركِ الشرِّ إعجازُ [1]

بل يكفيه من فعل الخير اسمه:

عليكَ بفعلِ الخيرِ، لو لم يكن له ... من الفضلِ إلا حُسْنُهُ في المسامعِ [2]

ففعل الخير لا يَعدِله فِعل، والمثوبة عليه تجارة رابحة:

ولن تلقى كفِعلِ الخيرِ فعلًا ... ولا مِثلَ المَثُوبةِ رِبحَ تَجْرِ

توقَّع بعد هذا الغَيِّ رُشدًا ... فمِن بعد الظلام ضِياءُ فَجرِ [3]

والتفاؤل واضح في البيت الثاني، ومن تجلياته أيضًا القول بخلود الخير وآثاره:

الجِسم كالصُّفر يكسوه الثرى صَدأً ... والخيرُ كالتِّبرِ لا يدنو له الدَّنَسُ

لو دامَ في الأرضِ عُمرَ الدهرِ مُختَزَنًا ... لما تغيَّر عمَّا يَعهَدُ الأَنَسُ [4]

ومهما طال الأمر فلا بد للخير أن يأتي:

والخيرُ قد يأتي أخيرًا، مثلَ ما ... أجناكَ يَنعُ النّخلةِ المِئخارِ [5]

والدعوة إلى الخير ذات بعد تربوي اجتماعي، فهو يُعدي على فعله:

إنْ ما طَلَتْكَ الليالي بالذي وَعَدَتْ ... فالجودُ يُشَعر تنغيصًا إذا مُطِلا

والخيرُ يُعدي كغادي مُزنةٍ هَطَلَتْ ... أرضًا، فلمّا رآها رائحٌ هَطَلا [6]

هذا، والدعوة إلى الخير عند المعري متصلة بنزعته العقلية، فالخير عنوان العقل:

من أرادَ الخيرَ فليَعمَد لَهُ ... فعليه لِذوي اللُّبِّ عَلَمْ [7]

متى أداك خيرٌ فافعليهِ ... وقولي إن دعاك البِرُّ: آرا [8]

بل وجب عليه إكراهُ النفس عليه وقسرها على فعله:

فأَكرِهْ على الخير مَجبولةً ... على غيرِهِ، في عِلانٍ وسِرْ

(1) م. ن 1/ 524.

(2) م. ن 2/ 38.

(3) م. ن 1/ 462.

(4) م. ن 1/ 551.

(5) م. ن 1/ 494.

(6) م. ن بشرح كبابه وحمد 2/ 204.

(7) م. ن 2/ 424.

(8) م. ن بشرح اليازجي 1/ 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت