فهرس الكتاب
"خَلَدي بالخطايا مملوءٌ، وأنا بها أَبوءُ، أَحملُها فلا أَنوءُ، وعملي مكتوبٌ مَكلوءٌ، مُقتَرىً بالحفظ ثمَّ مقروءٌ، وثوبُ الحياةِ عَنّي مَسروءٌ، وغيرُ القَدَر هُوَ المَدروءُ، لا يَبعُدُ مِنّي السُّوءُ، أَهُمَّ بالخيرِ وأَهُوءُ، والأقدار دُونَهُ مُعترِضاتٌ" [1] .
لهذا نراه يحتقر نفسه المطبوعة على الشر، أما رجاؤه فبالله وحده الذي وهبه ما لا يستحقه:
"إني لَوَغدٌ، وأَظُنُّ أني سِمَغدٌ، وقد عَرَفتُ نفسي بعضَ العِرفانِ وحَقَرتُها وهي جديرةٌ باحتقار."
خَلْقْتَني كما شئتَ وأَعطيتَني ما لا أَستحقُّهُ منك، ولعلَّ في عبيدِكَ من هو مثلي أو شَرُّ، في خزائنه بدَرُ اللُّجَينِ والعِقيان، لا يُطعَمُ منها المسكينُ ولا يُغاثُ الملهوف. والْطُفْ بي رَبِّ ولا تجعلْ خُطايَ في وِعاثٍ" [2] ."
ولطالما حضّ المعريّ نفسه على فعل الخير، وهي عنه مشغولة:"كم أَذُمرُ نَفسي حاضًّا لها على فِعل الخَير وهي غير مُصغِية إلى طُول الذَّمَرات" [3] .
لقد أنفق الثلاثين من عمره يرجو الخير فلا يجده، في زمن كثرت شروره حتى يئس من خيره:"ما زلتُ آمُلُ الخيرَ وأَرقبُهُ حتى نَضَوتُ كَمَلًا ثلاثين، كأني ذَبَحتُ بكُلِّ عامٍ حَمَلًا أَبرَقَ، بَياضُهُ الأيامُ وسوادُهُ لياليه. وهيهاتَ! كأنني قَتلتُ بالسُّنَةِ حيّةً عَرماء، إن الزمنَ كثيرُ الشرور."
فلما تَقَضَّتِ الثلاثون وأنا كواضعِ مِرجَلهِ على نارِ الحُباحِبِ، عَلِمتُ أن الخيرَ منّي غيرُ قريبٍ" [4] ."
ولا عجب في ذلك فالخير في الأرض نُقَط مَنثورة، وأمّا الشرّ فسُطور مشطورة:"الخَيرُ بَقَطٌ، كأنَّه في الأرض نُقَطٌ، والشَّرُّ سُطورٌ، ليستِ الخَيراتُ له بشُطورٍ، فاكفِنا رَبِّ شَرَّ المُتمرّدين" [5] .
(1) الفصول والغايات 149.
(2) م. ن 215.
(3) م. ن 116.
(4) م. ن 279.
(5) م. ن 199.