فهرس الكتاب
ولكن لما لم يمكن مشاهدة الأشياء كلّها احتاجَ مَنْ شاهدها [شيئًا] [1] // أن يخبر عنه مَنْ لم يشاهدْه، فأوجب ذلك وضعَ الأسماء باتّفاق، أو لمعنى آخر على الخلاف في ذلك فقيل: رجلٌ، وفرسٌ، وحمارٌ، ومحو ذلك. فصارتْ هذه الأسماء تنوب في تصوّر المعاني في نفوس السَّامعين مَنابَ المسمَّيات أنفسِها لو شاهدها. فإذا قال القائل: رأيتُ جَمَلًا، تُصوّر مِنْ هذا الاسم في نفس السامع ما كان يُتَصوّر من المسمَّى الواقع تحتَه لو شاهده. فلمَّا نابَ الاسمُ مِنْ هذا الوجه مَنَاب المسمَّى في التصوُّر، وكان المتصوَّر من كلِّ واحدٍ منهما شيئًا واحدًا، جازَ منْ هذا الوجه أن يقال: إنَّ الاسم هو المسمَّى على ضَرْب منَ التّأويل، وإنْ كنَّا لا نشُك في أنَّ العبارة غير المعبَّر عنه، فهذا وجه.
والوجه الثاني: أكثرُ ما يُتَبيَّن في الأسماء التي تُشْتقّ للمسمَّى من معانٍ موجودة فيه، قائمةٍ به، كقولنا لمن وُجِدتْ فيه الحياة: حَيٌّ، ولمنْ وُجِدَت فيه الحركةُ: متَحرِّك، ونحو ذلك. فالاسم في هذا النوع لازمٌ للمسمَّى، يرتفعُ بارتفاعه، ويوجَدُ بوجوده. أَلا ترى أنَّ الحياةَ إذا بطلَ وجودها من الجسم بطَل أن يُقال له: حيٌّ، وإذا بطَل أن يقال له: حيٌّ بطَل أن تكون به حياةٌ؟! وكذلك إذا بطَل وجود الحركة في الجسم بطل أنْ يقال له: متحرِّك، وإذا بطَل أن يُقال له: متحرِّك ّبطل أن تكون فيه حركة. فيجوز من هذا الوجه أيضًا أن يُقَال: إنَّ الاسمَ هو المسمَّى، وإذا كانَ يوجَد بوجوده، ويرتفع بارتفاعه على ضَرْب من التَّأويل، وإنْ كنَّا لا نشك أن العبارة غير المعبَّر عنه.
(1) الكلمة مطموسة في الأصل المخطوط، والسياق يقتضيها. [قلنا: هذا التقدير لا يستقيم هنا، لأن فعل"احتاج"يتعدى بإلى، كما فعل المحقق في السطر الذي قبله، ويصحّ المعنى إذا جعلنا العبارة:"احتاج من شاهد (شيئًا) أن يخبر عنه...الخ ـ هيئة التحرير] ."