فهرس الكتاب
ويعاني الأحنف كغيره من شعراء عصره من صعوبة التواصل والتعامل مع أهل زمانه بسبب الاحتكام إلى نزعات الأهواء وغياب المنطق والمعايير الموضوعية، وهوان الهمم، وانهيار القيم [1] :
مَنْ طَالب الناسَ بالإنصافِ أحقدَهم ... ومَنْ نَحاهم إلى الآدابِ عابوهُ
ومَنْ دعاهم إلى فحشٍ ومخزيةٍ ... وسوءِ فعلٍ وتخليطٍ أجابوهُ
وقد أدى غياب القيم الفاضلة إلى الاستهانة بها وانتهاكها والجهر بسوء الفعل والخلق، حيث غاب الوازع الأخلاقي الذي يردع الناس عن ارتكاب القبيح من الأفعال والتصرفات [2] :
قد سقط العارُ فلا عارُ ... وليس للأحرار أنصارُ
واسُتضعفُ الحقُ وقلَّ الحيا ... وصارَ للجهال أنصارُ
ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى تفكك المجتمع وفساده، وإلى غياب روح التكافل بين أفراده، وتحلل العلاقات الأسرية حيث خضع المجتمع لسطوة علاقات مادية أنانية، أصبح فيها الغني المترف لا يرى بؤس الفقير، وصار الأب لا يرأف بحال ابنه، والأبناء لا يمدون يد العون إلى آبائهم [3] :
نحنُ في دهرٍ على المُعد ... مِ لا يُجدي أبوهُ
وعلى الوافدِ لا يفضلُ ... إن عالَ بنوهُ
لو رأى الناسُ شريفًا ... سائلًا ما وصلوهُ
وهم إنْ طَمِعوا في زا ... دِ كلبٍ أكلوهُ
وفي هذا الواقع صار الأدب مجلبة للبؤس ومدعاة للتغرب والعزلة، وصار العاقل مضطرًا تحت وطأة الحاجة إلى مجاراة أهل عصره في جهالاتهم، ومسايرتهم في حماقاتهم وإلا نبذوه، وسخروا منه وصوبوا سهام انتقاداتهم اللاذعة عليه [4] :
إذا كانَ الزمانُ زمانَ حَمَقى ... فإنَّ العقلَ حِرمانٌ وشومُ
فكنْ حَمِقًا مع الحمقى فإني ... أرى الدنيا بدولتهم تدومُ
العزلة والاغتراب:
(1) ديوانه ص95.
(2) ديوانه ص217.
(3) ديوانه ص530.
(4) ديوانه ص469.