فهرس الكتاب
والواقع أن الأحنف كان مسالمًا في دعوته إلى نقد أهل عصره فظلت اعتراضاته في إطار الحوار والنصيحة ولم تخرج عن ذلك إلى مستوى العنف أو الرغبة في التشفي والانتقام، ومن هنا كان يؤثر الوحدة والعزلة في لحظات اليأس والانسحاب [1] :
أروغُ عن كلِّ ضدٍ لي يخالفني ... جهدي ويتبعُني في كلِّ أوطاني
فصرتُ قسرًا ألاقي مَنْ يباغضني ... بما ألاقي به أهلي وإخواني
وهو يرد على انتقادات أهل عصره له وتشهيرهم بفقره وخصاصة حاله بأن العاهة ولدت لديه القناعة والرضى بالقليل [2] :
إذا ما عابني أبناءُ جنسي ... بنقصِ الحظِ والكسبِ الضعيفِ
وزادوا في الترفعِ واستطالوا ... بطيبِ العيشِ عن ترفٍ وريفِ
بسطتُ لديهمُ بالضعفِ عذري ... وعجزي بالقناعةِ بالطفيفِ
فلا عجب أن مال الأحنف إلى حياة الانزواء وآثر الارتحال والغربة ووجد فيها سبيلًا للراحة والخلاص مما يعاني منه ويشكو من أذى القول واللسان [3] :
ألفتُ التغربَ والغربَهْ ... ففي كلِّ يومٍ أخا تربَهْ
وهكذا أصبحت العزلة والغربة فلسفة يؤمن بها الأحنف ويدعو إليها بعدما يئس من إصلاح الأمور واستقامة أخلاق الناس من حوله [4] :
تخلَّ عن الورى كرمًا وطرفًا ... فقد فسدوا وصار الوصلُ مَقْتا
ينافقك الصديقُ وفيهِ مكرٌ ... ويبدي ظاهرًا مقة وسمتا
فكنْ فردًا وحيدًا سامريًا ... ولا تَّردِ الوصالَ وأنتَ أنتَ
وقد لخص تجربته في الحياة والناس في تأكيده أن في عزلة المرء عن الآخرين راحة للبال والضمير وكسبًا للسلامة من شرورهم وعداواتهم فقال [5] :
مَنْ أرادَ الملكَ والرا ... حةَ من همٍ طويلِ
فليكنْ فردًا من النا ... سِ ويرضى بالقليلِ
ويداري مرض الوحـ ... ـدة بالصبر الجميلِ
يلزم الصمت فإن الصمـ ... ـت تهذيبُ العقولِ
أي عيش لامرئ يصـ ... ـبح في حال ذليلِ
بين قصدِ من عدو ... ومدارات جهولِ
(1) ديوانه ص518.
(2) ديوانه ص366.
(3) ديوانه ص123.
(4) ديوانه ص139، والسامري: من لا يقترب من الناس ولا يقتربون منه.
(5) ديوانه ص413.