فهرس الكتاب
أما العلوم الحكمية الفلسفية، فلها شأن آخر، فقد كان العرب المسلمون يرفضونها في الأغلب والأعم، منذ القرن الثالث الهجري، لأنهم رأوا فيها علومًا لا تخدم القرآن والسنة، بل اعتقد أغلبهم أنها تضر، واستثنوا من علوم الفلسفة الطبَ، والهندسةَ، والحسابَ، ولذلك فليس غريبًا أن يكون رفضُها ما يزال قائمًا، وبخاصة في ظروف كان الناس فيها بأمس الحاجة إلى علوم تنفعهم نفعًا مباشرًا في حياتهم اليومية، ولا تكون مصدر خلافات أو نزاعات، كانت تنعكس عادة على المجتمع فتترك فيه آثارًا سلبية، ولعل هذا ما دعا أهل العصر إلى الابتعاد عنها وإدانة من يعمل بها. وهذا ما رأينا، بشكل مبالغ فيه، في قصة السُّهروَرَدي الذي يقول عنه الطباخ الحلبي: إنه قرأ الحكمة، وأصول الفقه، وكان أوحد أهل زمانه في العلوم الحكمية، جامعًا للعلوم الفلسفية، بارعًا في الأصول الفقهية [1] ، فقد اتهمه الفقهاء الحلبيون بانحلال العقيدة والتعطيل، والقولِ بمذهب الحكماء المتقدمين، وكان أشدَّ الجماعة عليه الشيخان زينُ الدين ومجدُ الدين أبناء جَهبَل. وكان قد حسن موقعه عند الملك الظاهر ابن صلاح الدين، فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيروها إلى دمشق، إلى الملك الناصر صلاح الدين، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملكِ الظاهر بحلب، كتابًا في حقه يأمره فيه بقتله، فقتل في عام 587 هـ. ولا أعتقد أن صلاح الدين قد استجاب لجمهرة فقهاء حلب إلا لأنه يريد الحفاظ على الأمن الاجتماعي، وإزالة ما من شأنه إثارة الفتن, وبخاصة في أثناء توطيد حكمه في سورية ومصر، تمهيدًا لتحرير القدس.
(1) إعلام النبلاء، الطباخ، 4/ 257.