فهرس الكتاب

الصفحة 21505 من 23694

ولعل هذا الموقف لا يمكن تفسيره إلا من خلال ما قلناه عن علاقة الوعي بالإرادة، أو الثقافي بالسياسي، ورغبةِ صلاح الدين بالحفاظ على العلاقة بينه وبين ممثلي السلطة الثقافية سليمة في ظروفٍ صعبة، إذ يورد الطباخ الحلبي نصًا يبين مدى اختلاف أهل حلب في أمر السهروردي، فمنهم من كان ينسبه إلى الزندقة والإلحاد ومنهم من كان يعتقد فيه الصلاحَ، وأنه من أهل الكرامات [1] . ويؤكّد ذلك ما يقوله الطباخ نفسه:"ثم الذي وجدنا عليه أسلافَنَا من أهل حلب أنهم يعتقدون في السُّهْروَرَدي كل بركة وخير، ولم نجد في كلامه الذي قدمناه ما يستحق أن يُفتى بحل دمه.. والذي يتراءى لنا من شعره أنه شعرُ رجلٍ صدّيق، لا شعرُ رجلٍ زنديق، والله أعلم بخفايا الصدور وضمائر القلوب" [2] .

ظاهرة أخرى، ثقافية سياسية، تدعم ما قدمناه عن السياسي والثقافي. فقد كان يغلب على أهل حلب التشيّع [3] ، وكانت تقوم فيها، بين أهل السنة والشيعة، فتن من حين إلى آخر، ونزاعات يذكي أُوَارَها مناقضاتٌ شعرية، كان أحدَ أطرافها أحمدُ بنُ منير الطرابلسي، الشاعرُ، المتوفى سنة 548هـ [4] ، والذي يصفه ابن عساكر بأنه"كان رافضيًا خبيثًا" [5] . وكان ابن منير شاعرًا مجيدًا، معارضًا لأبي عبد الله محمد بن نصر، المعروف بابن القيسراني، الشاعر المشهور، وكانا مقيمين بحلب، ومتنافسين في صناعتهما، وكان القيسراني سنيًا متورعًا، وابن منير غاليًا متشيّعًا.

(1) المصدر السابق، 4/ 283.

(2) المصدر السابق، 4/ 285.

(3) المصدر السابق، 4/ 219.

(4) المصدر السابق، 4/ 220.

(5) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت