فهرس الكتاب
السياسي البارع هو من يوظف الثقافي لمصلحته، وقد لا يهتم بصلاحية هذا الثقافي، أو بتقويمه، وإنما يعمل على أن يكون في خدمته، والثقافة الاجتماعية ذات الأمة، وذاكرتها التي تشكل وعيها، والوعي هو محرك الأمم والشعوب، فإذا أراد السياسي أن تقوى سياسته فإن عليه أن يعتمد على أمته، ولا يكون ذلك إلا من خلال نصر ثقافتها. أما عندما يحارب هذه الثقافة أو يهملها، أو يسعى إلى استبدالها، فإنه سيكون ضد الأمة، ولن ينال ثقتها، وستكون ضده، وتنتظر الفرج بتغييره. وإن كانت لا تملك القوة على ذلك فإنها ستصفق لمن يفعل ذلك، ثم تنتظر منه ألا يكون على سيرته من رفض ثقافتها.
لقد كان صلاح الدين على وعي بهذا، وقد قدم ابن العديم التفسير الذي نوافقه عليه: وهو وعيُ السياسي بأهمية الثقافي، وحرصُه على امتلاك تأييده الضروري لبقاء السلطة في يده، ولا شك في أن نور الدين كان ذا نظر أبعد من صلاح الدين، فقد كان عمله ليس تلبية لرغبة في السيطرة على مصر لمطامع شخصية، كما كان يفعل أغلب السلاطين آنذاك، لإرواء أطماعهم المادية، وإنما كان يرغب في من وراء ذلك إلى توحيد مصر والشام، والعملِ تحت راية الخلافةِ الإسلامية لتحرير بلاد الشام وفلسطين من الصليبيين، وهو ما لم يتمكن منه تمامًا، لانقضاء أجله، وقطفَ ثمارَه صلاحُ الدين من بعده بسيره على خطاه وإكمال ما بدأه.