فهرس الكتاب

الصفحة 21508 من 23694

وقد أورد ابن العديم خبرًا في كتابه زبدة الحلب ويؤكد وجهة نظرنا في العلاقة بين السياسي والثقافي، فقد ذكر أن نور الدين مرض في حلب عام 554هـ، وكان أخوه نصرة الدين معه، فجمع الناس، واستمالَ الحلبيين، وملك المدينةَ، دون القلعة، وأذن للشيعة أن يزيدوا في الأذان (حي على خير العمل، ومحمد وعلي خير البشر) ، على عادتهم من قبل فمالوا إليه، وثارت فتنة بين السنة والشيعة، ولكن الفتنة عادت فانطفأت عندما استعاد نور الدين عافيته، فهرب أخوه وعادت الأمور إلى ما كانت عليه [1] .

لقد طمع أخو نور الدين بالسلطة، فلجأ إلى استمالة الشيعة في حلب. وهو إن تظاهر بالميل إلى الشيعة فليس حبًا بهم أو كرهًا بأهل السنة، وإنما، على الأغلب، رغبة منه في كسب تأييدهم لامتلاك السلطة، على حين أن نور الدين قاوم غلبة الشيعة في حلب ليس لأطماع سياسية وإنما كما ذكرنا لبعد نظر سياسي يريد أن يوحد الأمة أمام أعدائها الصليبيين آنذاك.

لم يكن نور الدين ينطلق في مواقفه كلها من أهداف سياسية بحتة، وإنما كان يوظّف السياسة في خدمة هدف أكبر هو نصرة الدين والعقيدة، وهذا بالضبط ما جعله محبوبًا من أهل عصره، محمودًا عند المؤرخين الذين اجتمعوا على الإشادة به وبأعماله، فأطلقوا عليه لقب الشهيد، تكريمًا له، وهو الذي مات على فراشه. لقد كان نور الدين مثال الحاكم المسلم الذي يجسد روح نظرية الحكم في الإسلام. فالحاكم في خدمة الناس، يساعدهم على القيام بأمور دينهم، ويحفظه عليهم، ويعنى بمصالحهم، فهو سيدهم، وخادمهم، في الوقت ذاته، ليس همُّه، كأغلب السلاطين، مصلحتَه الشخصية، أو مصلحة عشيرته الأقربين، ولا يعد، كهؤلاء، البلاد التي يحكمها ملكية خاصة، يفعل بها ما يشاء. كل هذا قرّبه من العلماء خاصة والناس عامة.

(1) زبدة الحلب، ابن العديم، ص/ 340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت