فهرس الكتاب
لقد كان نور الدين، في حياته الشخصية تقيًّا ورعًا، يخاف الله ويراقبه في سلوكه اليومي، وفي علاقاته مع الناس. فقد ذكر الطباخ الحلبي في ترجمة الحسين بن محمد، المعروف بالنجم، المتوفى في آخر عقد السبعين، وكان فقيهًا فاضلًا، أنّ نور الدين سأله في مجلسه عن لبس خاتم في يده، كانت فيه لوزات من ذهب، فقال له: تتحرز من هذا، وتحمل إلى خزانتك من المال الحرام في كل يوم كذا وكذا. فما كان من نور الدين إلا أن أمر بتحري ذلك وإبطاله [1] .
ويروي عنه ابن العدم أنّ أصحابه نصحوه بقطع المعونات والصلات وأموال الوقوفات، التي كان يصرفها على الفقهاء والفقراء والقراء والصوفية وغيرهم، وهي كثيرة، والاستعانة بها في حروبه، بعد أن زادت نفقات هذه الحروب. فغضب من ذلك، وقال:"والله لا أرجو النصر إلا بدعاء أولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم. كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ، وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم" [2] .
ثم يروي أن برهان الدين البلخي قال لنور الدين:"أتريدون أن تُنصروا وفي عسكركم الخمور، والطبول، والزمور، كلا والله، فلما سمع نور الدين كلامه عاهد الله على التوبة، ونزع عنه ثيابه تلك التي كان يلبسها، والتزم بلبس الخشن، وأبطل جميع ما كان بقي في بلاده من الأعشار، والمكوس، والضرائب، ومنع من ارتكاب الفواحش، وكتب إلى البلاد: إلى زهادها، وعبادها، يذكر لهم ما نال المسلمين من القتل والأسر، ويستمد منهم الدعاء، وأن يحثوا المسلمين على الغَزَاة" [3] .
(1) إعلام النبلاء، الطباخ، 4/ 250.
(2) عيون الروضتين، المقدسي، 1/ 258 وزبدة الحلب، ص/ 343.
(3) زبدة الحلب، ابن العديم، ص/344.