فهرس الكتاب
غير أن الطبري في شأن هذه الآية، لم نلفه يقف كثيرًا عند لفظ الأمة كما عهدناه، بقدر ما وقف وفصل كثيرًا، هذه المرة في لفظ (الوسط) ، إذ نراه يذكر في شأن هذا اللفظ بأن الله تعالى وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا ربهم وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها [1] . وكان قبل هذا قد توقف عند المدلول اللغوي لهذا اللفظ وأورد العديد من دلالاته. ومن ذلك نذكر على سبيل المثال قوله:"وأما الوسط فإنه في كلام العرب الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه" [2] وفي آخر تفسيره لهذه الآية، يؤكد القول بأن الوسط هو العدل، ذاهبًا إلى ذلك مستشهدًا بالأثر الذي حدثه به سلم بن جنادة [3] ويعقوب بن إبراهيم، أنهما قالا: حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد، عن النبي ( قوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا(، قال: عدولا [4] .
(1) ـ ينظر: م.س، ج3، ص: 142.
(2) ـ م.س،ج3،ص:141.
(3) ـ هو شيخ الطبري، كثرت رواية الطبري عنه.
(4) ـ الحديث نقله ابن كثير في تفسيره؛ ينظر: ج2، ص: 261.