فهرس الكتاب
أما القرطبي، فيورد في تفسير هذه الآية، ثلاث مسائل يمكن لأي متعرف عليها أن يستثمر منها مدلول لفظ الأمة بطريقة مباشرة لا تستدعي التخمين وإعمال الفكر. ولعل السبب في ذلك، أننا ألفينا القرطبي في ذهابه إلى تأويل هذه الآية، يذهب مذهب أهل التفسير بالمأثور، وكشاهد على ذلك، يقول القرطبي ـ وذلك دائمًا في شأن الآية السالفة الذكر ـ:".. فيه ثلاث مسائل: [ونحن سنورد له مسألتين لأن المسألة الثالثة لها علاقة بتأويل الشطر الثاني من الآية الكريمة] ، الأولى: روى الترمذي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، أنه سمع رسول الله ( يقول في قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس(، قال: أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها عند الله.. وقال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وشهدوا بدرًا والحديبية، وقال عمر بن الخطاب:"من فعل فعلهم كان مثلهم، وقيل: هم أمة محمد رسول الله (، يعني الصالحين منهم وأهل الفضل، وهم الشهداء على الناس يوم القيامة.. وقال الأخفش: يريد أهل أمة، أي خير أهل دين.." [1] ."
وعن مدلول لفظ الأمة في قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات( ـ الآية [2] ، فإننا نجد كلًا من الرازي والقرطبي يتفقان في مدلولها، بذهابهما إلى القول بأن لفظ الأمة بمعنى الجماعة المتفقة على شريعة واحدة، ودين واحد لا اختلاف فيه، ولكن شاءت قدرته أن جعل الشرائع مختلفة، وذلك بقصد الابتلاء [3] .
(1) ـ ينظر: الجامع لأحكام القرآن. القرطبي. ج4، ص: 170.
(2) ـ سورة المائدة، من الآية: 50.
(3) ـ ينظر: الجامع لأحكام القرآن. القرطبي. دار الكتب المصرية بالقاهرة، الطبعة الأولى. 1357هـ، 1938م، ج6، ص: 211 كما ينظر: التفسير الكبير. الرازي. ج12، ص13.