فهرس الكتاب
أما عن مدلول اللفظ في قوله تعالى: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون( [1] ، فقد جاء بثلاثة معان عند القرطبي، وقد وافقه الرازي في معنى واحد، ذلك أن لفظ الأمة عند القرطبي، يعني أمة محمد (؛ كما يحملها معنى النفر الذين آمنوا بالدعوة الإسلامية من أهل الكتاب. هذا بالإضافة إلى معنى آخر يضيفه، وهو أن لفظ الأمة القصد منه قوم من بني إسرائيل تمسكوا بشرع موسى قبل نسخه، ولم يبدلوا ولم يقتلوا الأنبياء [2] .
ومن الأسباب التي جعلت إبراهيم عليه السلام يتصف بكونه أمة واحدة في قوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين( [3] ، نلفي الرازي يدلل ذلك بمايلي:
أولها: إنه كان أمة وحده لكماله في صفات الخير كقوله:
وليس على الله بمستكثر ... أن يجمع العالم في واحد
ثانيها: قال مجاهد، كان مؤمنًا وحده، والناس كلهم كانوا كفارًا، فلهذا المعنى كان وحده أمة.
ثالثها: أن يكون أمة فَعَلة، بمعنى مفعول كالرحلة والبغية، فالأمة هو الذي يؤتم به، ودليله قوله: (إني جاعلك للناس إماما(.
رابعًا: أنه عليه السلام، هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحد والدين الحق ولما جرى مجرى السبب لحصول الأمة، سماه الله تعالى بالأمة، إطلاقًا لاسم المسبب على السبب [4] .
(1) ـ سورة الأعراف، الآية: 159.
(2) ـ ينظر: الجامع لأحكام القرآن. القرطبي. دار الكتب المصرية بالقاهرة. الطبعة الثانية، 1380م، ج7، ص: 306.
(3) ـ سورة النحل: الآية: 120.
(4) ـ ينظر: التفسير الكبير. الرازي. ج20، ص: 135.