فهرس الكتاب
ومما تقدم ذكره، في شأن تصور الأمة لدى أهل التفسير بالرأي والاجتهاد، فإنهم بوجه عام، قد أوَّلوا [بفتح الواو الأولى] التأويل نفسه الذي ذهب إليه أهل التفسير بالمأثور ـ على الرغم من تلك المقاربة العقلية من لدن أهل التفسير بالرأي ـ فكانت مفاهيمهم للفظ (الأمة) من خلال ما عرضناه من آي القرآن العظيم، تدور في معظمها حول معنى الجماعة المرتبطة بدين أو ملة، سواء كان دينًا أو ملة أو شريعة مطلقًا، أو خاصًا بالدين الإسلامي؛ كما وجدنا الأمة عندهم، إما خاصة بجماعة الإجابة أو خاصة بجماعة الدعوة عمومًا.
تصور الأمة عند أهل التفسير الصوفي:
مما لاشك فيه أن الذين اهتموا بالتفسير الصوفي أو ما يسمى بالتفسير الإشاري، هم المتصوفة بالمقام الأول، إذ ذهبوا في تفسيراتهم باعتماد فيوضاتهم وتباريحهم وإلهاماتهم.. فراحوا بذلك يؤَولون [بفتح الهمزة] بعض ما يتعرضون إليه من آي الذكر الحكيم، بعيدًا عما يحمله اللفظ من تأويلات أقرها النقل والعقل، وذلك في الكثير من المواضع. وعلى ذلك فإن علماء الدين، فريق منهم من قبل بهذا التفسير وذلك بشروط [1] . وأنا أحسب أن تلك الشروط يمكن أن تكون قد توافرت إلى حد ما في نوع التفسير الذي اخترناه نموذجًا لهذه الدراسة، وهو تفسير القشيري، والمعروف بـ (لطائف الإشارات) .
(1) ـ من جملة تلك الشروط التي اشترطت: ألا يدعي المفسر أن ما أتى به من تأويل باطني هو وحده دون ظاهره، وأن ما أتى به لا يتعارض مع الشرع، سواء أكان نقلًا أو عقلًا، وألا يكون تفسيره منافيًا لظاهر النظم القرآني، كما يجب أن يكون فيما يذهب إليه، من شاهد شرعي يؤيده؛ ينظر: التعبير الفني في القرآن. د.بكري شيخ أمين. دار الشروق، ص: 124.