فالجِدُّ والهزلُ في توشيحِ لُحمتها ... والنُّبلُ والسُّخْفُ والأشجانُ والطَّرَبُ" [1] "
إذًا مادَّة الكتاب أو مضمونه -كما ترى -هي هذه الرِّياض العامرة بما لذَّ وطاب من الموضوعات الآسرة المُدَلَّل عليها بالشَّواهد من الشِّعر والنَّثر على اختلاف ضروبه، وما على الأديب إلاَّ أن يمتحَ من هذا المَعين الثَّرّ، يُصيبُ منه ما يشاء بالطَّريقة التي يشاء، آخذًا من كلِّ علم بطرف، وعلى قدر المَتْح والإصابة يمتلك هذا الأديب أو ذاك من ناصية البيان ما يمتلك. والرَّاغب جمع لنا من هنا وهناك تحقيقًا لهذه الغاية، وقد ضمّ الشَّيء إلى مثيله والنَّظير إلى نظيره، حتَّى لو كان سخيفًا مَرْذولًا، كما في الحدّ السَّادسَ عَشَرَ، وقد جعله في المجون والسُّخف، ذاكرًا في فصوله اللِّواطةَ والإجارة والأبُْنَة والتَّخنُّث والدَّلك والدَّبيب والقيادة والزِّنى والسَّوْءتَيْن.. [2]
ولا شكَّ أنَّ الرَّاغب لم يأتِ على السُّخف والمجون في كتابه من باب هتك ستر الأخلاق؛ فالرَّاغب يعلم علم اليقين أنَّ كتابه موجَّه إلى الخاصَّة لا العامَّة الذين يُروِّحون عن أنفسهم بشيء من هذه الأخبار الطَّريفة، فيجدون فيها -كما قال قبلُ -ما يُضحكهم ويُلهيهم، لا ما يُثير غرائزهم ويحطُّ من أخلاقهم، فضلًا عن أنَّ من أراد لكتابه الإحاطة والجمع من كلّ طرف لا يجدُ بأسًا في إضافة مثل هذه الأخبار إليه، فالمنهج الحقُّ لا يأباها، بل يطلبها، فشأنها شأن غيرها من معارف ذلك العصر.
إنَّ هذه المادَّة الضَّخمة المُترامية الأطراف أدبًا ولغةً وتاريخًا وأخلاقًا وعقائدَ.. تحتاج إلى منهج رصين يستحكمها، ويلمُّ شتاتها بأسلوب لا ينبذه العقل، بل يأخذ به ليواصل المسيرة في هذا الكتاب الكبير من ألفه إلى يائه. فماذا فعل الرَّاغب من أجل ذلك كلِّه؟
(1) -المصدر السَّابق 1 /4.
(2) -المصدر السَّابق 1 /13 و3 /473 -546.