فهرس الكتاب
وقال: المحفوف الهودج، والزوج النمط، فكيف يظل النمط وهو أسفل العصي وهي فوق، وإنما كان ينبغي أن يرووه من كل محفوف يظل عصيّه زوجا ثم يرجع إلى المحفوف فيقول عليه كلة وقرامها" [1] ، فمعنى البيت ـ حسب الرجل ـ لا يستقيم، إذ يستحيل أن يظل النمط العصي وهو في الأسفل، والعصي في الأعلى، وإن كان ابن قتيبة لم يطمئن إلى هذا الشيخ الذي نسبه إلى أصحاب اللغة وعلق قائلًا:"ولا أرى هذا إلا غلطا منه، ولم تكن الرواة لتجتمع على هذه الرواية إلا بأخذ عن العرب" [2] ."
ومن هذا المنطلق أيضًا رد علي بن حمزة رواية المبرد لبيت الفرزدق في رثاء ابني مسمع:
ولو قتلا من جذم بكر بن وائل ... لكان على الناعي شديدا بكاهما
والرواية الصحيحة حسب علي بن حمزة:"من غير بكر، ولا يجوز ما روى لأنه نفي لهما عن سبهما وجعله إياهما وشيظا (أتباعًا وأحلافًا) " [3] .
وهكذا كان نقد علي بن حمزة رواية المبرد مبنيًا على أساس مدى استقامة المعنى الذي يفترض أن يكون ملائمًا لغرض الشاعر، والسياق يحيل أن تكون الرواية كما أوردها المبرد، لأن ذلك بعيد عن المنطق الذي انطلق منه الفرزدق.
ومن الأمثلة على اتخاذ النقاد السياق المعنوي مقياسًا لفحص النصوص بغية إثبات صحتها أو رفضها، ما يرويه العسكري من أن أبا عبيدة روى لامرئ القيس"مكر ممر"، فقال السكري: إنما الرواية"مفر"، فقال: أيصفه بالفرار؟ قال السكري: آخر البيت يدل على أوله، ألا تراه قال:"مقبل مدبر معًا"؟ [4] أي أنه بالنظر إلى آخر البيت نرى أن السياق يحتم أن تكون بدايته"مكر مفر"، ولا وجه لرواية أبي عبيدة.
وقد اختلف الرواة في رواية قول الشاعر:
زوجك يا ذات الثنايا الغر ... والرتلات والجبين الحر
(1) الشعر والشعراء لابن قتيبة، ص: 176.
(2) نفسه، ص: 176.
(3) التنبيهات على أغاليط الرواة لعلي بن حمزة، ص 112.
(4) شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري، ص 83.