فهرس الكتاب
حيث اعترض عليه ابن الأعرابي فقال: نالا بالنون من النوال، فقال الأصمعي:"إن الشاعر قد فرع من هذا فقال: فيهم شيخ حمال ثقل وهو الذي ينيل ويعطي، وفيهم شاب مثل صدر السيف بالا أي حالًا وهو كالسيف في حاله وبأسه، وفسر هذا في البيت الثاني فقال:"
بهم يسعى المفاخر حين يسعى ... إذا ما عد بأسا أو نوالا
فأراد بالبأس الحال التي وصف الأبيض الفتى به، وبالنوال وصف به ذا الشيبة أنه حمال ثقل..." [1] . فالأصمعي زيادة على بحثه في دلالة"بالا"وما تؤديه من معنى ينسجم مع التفريع الذي قصده الشاعر في البيت، وهو ما يمكن أن نسميه الانسجام الأفقي، راح يبحث في علاقة البيت بما بعده، ورأى أن هناك انسجامًا عموديًا أيضًا، فحمال ثقل وبالا، له علاقة بقوله في البيت الموالي: بأسا أو نوالا."
هكذا إذن واجه النقاد بعض الروايات من خلال تطرقهم للقصيدة الشعرية من حيث وحدة أجزائها وصحة مبانيها وتناسق معانيها.
5 ـ الألفاظ والمعاني:
لقد وازن النقاد بين الروايات المختلفة ورجحوا بينها في إطار حالات اللفظ والمعنى، كأن يكون في الرواية المختارة معنى أبلغ وأصوب، كما في قول الشاعر قطري بن الفجاءة:
حتى خضبت بما تحدر من دمي ... أحناء سرجي بل عنان لجامي
إذ يروى أكناف سرجي أو عنان لجامي، وحسب الأعلم الشنتمري فإن"رواية من روى (بل عنان) أحسن وأبلغ، لأن العنان لا يخضبه الدم إلا بعد سيلان شديد وجري عام، وإذا أضرب عن الأول بل وأوجب الخضاب للعنان فذلك أوكد وأبلغ فيما أراد من ذلك" [2] .
فتوثيق الأعلم لرواية هذا البيت كان ـ كما نلاحظ ـ بالاعتماد على ما يؤديه كل لفظ من معنى، واختيار أفضل المعاني تعبيرًا عما قصده الشاعر من مبالغة.
وعلى هذا الأساس أيضًا فضل ابن السيد البطليوسي رواية"الأين"على"المين"في قول المعري:
(1) شرح ما يقع فيه التصحيف للعسكري، ص 152.
(2) شرح الحماسة للأعلم، 2: 68.