فهرس الكتاب
فقد أدرك أبو زيد بحسه اللغوي أن لفظة غلسا لا تنسجم مع المعنى الذي أراده الشاعر، ولا تتسق مع ما قبلها، فهي تحدث تنافرًا في المعاني يصل إلى حد التناقض، ولم يكتف أبو زيد بهذا بل راح يقترح رواية بديلة لهذه اللفظة قريبة منها في بنيتها الصوتية وتتحد معها في بنيتها الصرفية والعروضية وهي كلمة (علسا) ، وإن كان العسكري قد ذهب إلى تخطئة أبي زيد في هذه المسألة والانتصار لأبي عمرو بن العلاء، لاعتبارات هي إجماع الرواة على رواية أبي عمرو الكوفيين منهم والبصريين على السواء، ولسبب آخر يهمنا أكثر هنا وهو"أن بكر وغلس ليس هو أتى أول الغداة، وقد يقال في كل ما تقدم عن وقته: بكر، حتى قالوا: بكر البرد وبكر الحر وسمي ما يتقدم من الفواكه باكورة، وفي حديث النبي (( ) : [من بكر وابتكر...] ولم يرد من أتى الجمعة بكرة، وإنما أراد من تقديم الوقت، وقال امرؤ القيس: تأوبني دائي، فتقدم الوقت الذي كان يتأوبني فيه" [1] .
وبقدر ما تعجبنا نباهة أبي زيد، وقدرته على استحضار اللفظ الذي رآه مناسبًا، وتبهرنا حجته لما فيها من استدلال منطقي قوامه النظر العميق في أصول الألفاظ والربط بين أجزاء الكلام، بقدر ما يشدنا هذا التحليل اللغوي الذي قام به العسكري في سبيل الدفاع عن رواية الجمهور.
وفي السياق نفسه نقف على نقاش علي وقع حول رواية بيت الأعشى:
إني لعمر الذي حطت مناسمها ... تحدي وسيق إليها الباقر العثل
فقد رواه أبو عبيدة حطت مناسمها بالحاء غير معجمة، وقال يعني حطاطها في السير، وهو الاعتماد، ورواه الأصمعي خطت بالخاء أي شقت التراب، وقال الأصمعي حطت خطأ، ثم جاء علي بن حمزة فحكم بين الرأيين، وقال:"وأصاب أبو عبيدة في حطت لأنه وجه صحيح جيد، وأخطأ الأصمعي في قوله: خطت، ولأن تكون معتمدة في سيرها خير من أن تكون خاطة، والحط الاعتماد، يقال: حط يحط حطا إذا اعتمد، ولما لم يعرفه الأصمعي رده، قال عمرو بن الأهتم:"
(1) نفسه، ص 110.