فهرس الكتاب
من كل هذه الأمثلة يتبين جليًا أنه إذا كانت اللغة في جوهرها وسيلة من وسائل التواصل المختلفة ـ وهي أهمها على الإطلاق ـ فإن حسن الصوت وحسن الأداء ما بين النفس والكلمة وما بين الإنسان والحياة [1] .
وقد كان المجتمع العربي منذ العصر الجاهلي يتواصل بلغة عربية تجمع بين الشعر والنثر اللذين يمثلان الكلام الذي لا يخرج عن أن يكون تركيبًا معينًا لنماذج من الأوزان الموسيقية بينها توافق في الجرس والنغمة والانسجام أي أنه يتركب من وحدات تتشابه وتختلف، وتتكرر وتتناظر، ويتألف من مجموعها ما يمكن تسميته قطعة موسيقية [2] .
يقول الجاحظ:"... اعلم لو أنك اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مستفعلن مستفعلن كثيرًا، ومستفعلن مفاعلن وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرًا، ولو أن رجلًا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات وكيف يكون هذا شعرًا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر، ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام" [3] .
وهو ما يستشف منه أن العرب الأولين كانوا يحفلون كثيرًا بالعنصر الموسيقي، ولم يكن ذلك عندهم من قبيل الترف ولإهدار الطاقات وإنما عدوه وسيلة فعالة من وسائل الاتصال والتبليغ، إذ به يؤثر في المتلقي فينفعل وتتحرك مكنوناته فينصاع لذلك العمل الفني وينجذب إليه.
وذكر الموسيقى والوزن يقودنا إلى الحديث عن الإيقاع موضع دراستنا.
تعريف الإيقاع:
(1) ينظر الإيقاع الداخلي في القصيدة العربية المعاصرة لخالد سليمان، مجلة الآداب جامعة قسطنينة (الجزائر) العدد 4، 1997، ص 258.
(2) ينظر فقه اللغة وخصائص العربية لمحمد المبارك، دار الفكر بيروت ط 1981، 7 ص 282، وينظر اللغة الشاعرة لعباس محمود العقاد، مكتبة الأنجلو الصمري، 1960، ص 7،8.
(3) البيان والتبيين تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت (د.ت) 1/288، 189.