فهرس الكتاب
من الحوت الذي في لج البحر ... مجيد الغوص في لجج المغاص [1]
وهو ما يوحي بأن العرب كانت تنتقي أصوات الألفاظ وتحسن سبكها والتأليف بينها وكذلك التراكيب، مراعية التنسيق الصوتي فيها والانسجام وذلك أفاد منه اللغويون والنحاة كثيرًا فهذا الخليل بن أحمد الفراهيدي يضبط ألفاظ اللغة ـ أسماء كانت أم أفعالًا ـ في قوالب صرفية ذات إيقاع موسيقي مضبوط ودقيق لا يحيد عنه متكلم اللغة، فما دل مثلًا على الفاعلية من الثلاثي المجرد يكون دائمًا على وزن (فاعل) وما دل على المفعولية من (استفعل) يكون على وزن (مستفعل) ، وما دل على جمع العاقل من (افتعل) هو على وزن (مفتعلون) [2] .
ولعل هذا كان من الأسباب التي اهتدى بها إلى ضبط أبيات الشعر بالأوزان متخذًا الأساس الصوتي بناء. ولا عجب في ذلك فاللغة العربية لغة إيقاعية تقوم على مبدأ المقاطع التي نلمح من خلالها تناسبًا بين الصوامت والصوائت، سواء على مستوى الألفاظ أو على مستوى التراكيب في المنظوم والمنثور.
وقد بلغ أثر العامل الموسيقي فيها أوجه في طورها الجاهلي وفي طورها الإسلامي [3] الذي لم تخل قراءة القرآن الكريم من الطابع الإيقاعي والنغمي فيه، فقد ورد أن هناك أقوامًا ابتدعوا أصوات الغناء المصحوبة بالتطريب عند قراءتهم للقرآن، من ذلك أنهم وضعوا بعض المدود في غير مواضعها، وزادوها في أماكن لا يجيزها الأئمة، ومن أمثلة ذلك تغنيهم بقوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر( [4] نقلًا عن تغنيهم بقول الشاعر:(بسيط)
أما القطاة فإني لست أنعتها ... نعتًا يوافق عندي بعض ما فيها [5]
(1) ينظر البيان والتبيين 1/179.
(2) ينظر الدلالة الصوتية ص 152، وفقه اللغة وخصائص العربية ص 280.
(3) ينظر عبقرية اللغة العربية لعمر فروخ، دار الكتاب العربي، بيروت، 1981، ص107.
(4) سورة الكهف: 79.
(5) ينظر الدلالة الصوتية ص 153، 154.