فهرس الكتاب
وقد أكد هذا، الدرس الصوتي الحديث حين أشار علماء الأصوات إلى أن الإنسان عند النطق بالحرف يحتاج إلى مجهود عضلي تشترك فيه مجموعة من العضلات والأوتار والأعصاب، وهو ليس واحدًا، وإنما يختلف من صوت إلى آخر، فما يخرج من الحلق يتطلب جهدًا أكبر مما يخرج من الفم أو الشفتين. ولما كانت النفس البشرية تميل بطبعها إلى الاقتصاد في المجهود للوصول إلى غرضها، فإنه متى تحقق لها ذلك شعرت باللذة، والعكس بخلافه، فهي تنفر من بعض الحروف لثقلها في النطق وتحميل المتكلم بعض المشقة.
إننا لو أخذنا الهمزة مثلًا وجدناها"من أشق الحروف وأوعرها حين النطق، لأن مخرجها فتحة المزمار، ويحس المرء حين ينطق بها كأنه يختنق، ومثل الهمزة في المجهود العضلي، القاف وكذلك أحرف الإطباق وهي: الضاد والصاد والطاء والظاء، فكل هذه تتطلب للنطق وضعًا للسان يحمل المتكلم بعض المشقة" [1] .
وفي هذا السياق ورد قول الجاحظ:"... وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيًا موافقًا، كان على اللسان عند إنشاء ذلك الشعر مؤونة (...) وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغًا واحدًا وسبك سبكًا واحدًا فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان" [2] . واستدل على هذا بأمثلة كثيرة يطول ذكرها في هذا المقام [3] ...
وعلى هذا ذم البلاغيون والنقاد الشعر الذي يتضمن ألفاظًا غير محببة للنفس لغرابتها أو لوحشيتها أو لثقلها، من ذلك أنهم عابوا على المتنبي استعماله مفردات ينبو عنها السمع ولا يستسيغها نحو قوله في مدح سيف الدولة الحمداني (متقارب) :
مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم (الجرش) [4] شريف النسب
(1) موسيقى الشعر لإبراهيم أنيس، مكتبة الإنجلو المصرية، القاهرة 1972، ص 22، 23.
(2) البيان والتبين 1/66، 67.
(3) ينظر المصدر نفسه، 1/65 وما بعدها.
(4) الجرش، النفس، وهي من قبيح ألفاظ المتنبي.