فهرس الكتاب
ثمَّ يستظهر بقول أبي هلال الحسن بن عبد الله العسكري [1] [ت: بعد 395 هـ] التالي في الضرورة. يقول العسكري:"وإنما استعملها القدماء في أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها، ولأن بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مَزَلَّة. وما كان أيضًا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نُقدت، وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة، ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنبوها [2] ". فالضرورة عند العسكري مخالفة، والمخالفة قبيحة، ولو وضّح الناقد القبح، ووقف عليه الشاعر لَجَانَبه.
من هذا العرض نستنبط أن فريقًا من النقاد جانبوا المجاملة والمصانعة، فكانوا أقرب إلى النزاهة، وسّموا الأشياء بأسمائها، وكرهوا الخطأ في كل شيء، وهجّنوه، ودعوا إلى التوقّي منه. لكن دراسة اللغة والشعر ليست وقفًا على نقاد النصوص، فلعلماء النحو في الموضوع آراء، وتعرّف آرائهم يلقي على الموضوع ضياء من جانب آخر، ومن لون آخر. فما آراء النحاة في الضرورة؟ ثمَّ ما موقف أحمد بن فارس في رسالته: ذم الخطأ في الشعر؟
ذهب سيبويه شيخ النحاة في البصرة [3] [ت: 180 هـ] إلى أن لكل ضرورة يرتكبها الشاعر تأويلًا يفسرها، وحجة تخرجها، ولم يرم الضرائر الشعرية بالخطأ، ولم يحملها على اللحن. قال سيبويه في الكتاب:"وليس شيء يضطرون إليه إلاّ وهم يحاولون به وجهًا [4] ". غير أنه أقرّ بقبح طائفة من الضرائر، فقال:"ويحتلمون قبح الكلام حتّى يضعوه في غير موضعه". [5]
(1) ترجمة العسكري في اللغة ص 62
(2) النص في كتاب الصناعتين 150
(3) هو عمرو بن بحر، ترجمته المفصلة في معجم الأدباء 16/ 114 ـ 127
(4) كتاب سيبويه 1 / 26 (هارون) ص 8 (بولاق)
(5) كتاب سيبويه 1 / 13 (هارون) 1 / 13 (بولاق)