فهرس الكتاب
أمَّا أبو العبّاس محمد بن يزيد المبرّد [1] [ت: 286 هـ] فقد ميّز بين نوعين من الضرائر: نوع يرتكبه الشاعر، فيردّ الأشياء إلى أصولها كصرف الممنوع من الصرف، قال المبرّد:"واعلم أن الشاعر إذا اضطر إلى صرف مالا ينصرف جاز له ذلك لأنَّه إنّما يردّ الأسماء إلى أصولها [2] ".ونوع يرتكبه الشاعر، فيخرج الأشياء عن أصولها، وهو قبيح، ومتجه بقربه من اللحن ـ قال المبرّد:"وإذا اضطر إلى ترك صرف ما ينصرف لم يجز له ذلك. وذلك لأنَّ الضرورة لا تجوّز اللحن [3] ".
فإذا انتقلنا من المبردر إلى أبي الفتح عثمان بن جني [4] [ت: 392هـ] وجدنا الضرورة سائغة عنده، ووجدنا المحاورة بين ابن جني وشيخه أبي علي الفارسي الحسن بن أحمد [5] [ت: 377هـ] تدور حول أمر آخر منشعب من الأول، وهو: هل يجوز للشعراء المحدثين ما جاز للأقدمين من ارتكاب الضرائر؟
قال ابن جني:"سألت أبا علي ـ رحمه الله ـ عن هذا، فقال: كما جاز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم. فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا، وما حظرته عليهم حظرته علينا [6] ". من هذه المحاور يظهر أن أبا علي وتلميذه ابن جني يؤثران مسامحة الشعراء المحدثين، ويسوغان لهم من الضرائر ما ساغ من ضرائر الأقدمين عند سيبويه. وحجّتهما ـ وكلاهما مغرم بالقياس ـ حمل الحديث على القديم.
(1) ترجمة المبرد في معجم الأدباء 19/ 111 ـ 123
(2) المقتضب للمبرّد 3 / 354
(3) المصدر السابق 3 / 354
(4) ترجمة ابن جني في معجم الأدباء 12 / 81 ـ 115
(5) ترجمة أبي علي الفارسي في معجم الأدباء 7 / 232 ـ 261
(6) الخصائص لابن جنّي 1 / 323