فهرس الكتاب

الصفحة 22095 من 23694

ثمَّ يتابع ابن جني مناقشة الضرائر، فينقد آراء المتشددين المتزمتين الذي زعموا أن الأقدمين معذورون فيما ارتكبوا من ضرائر، وأن المحدثين لا عذر لهم، وحجّبة هؤلاء أن الأوائل كانوا يرتجلون الشعر ارتجالًا، فلا يحككون ولا يثقفون، وأن المحدثين يملكون من الأناة والصنعة ما يقمعون به جموح الارتجال، فيساوي ابن جني بين الفريقين، ويدحض ادّعاء المنادين بتحريم الضرائر على الشعراء المحدثين، فيقول:"يسقط هذا من أوجه: أحدُها أنه ليس جميع الشعر القديم مرتجلًا، بل قد كان يعرض لهم فيه من الصبر عليه والملاطفة له، والتلوّم على رياضته، وإحكام صنعته نحوٌ ممّا يعرض لكثير من المولدين. ألا ترى إلى ما يُروى عن زهير، من أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين، فكانت تسمى"حوليات زهير"لأنَّه كان يحوك القصيدة في سنة... وثانٍ أن من المحدثين أيضًا من يسرع العمل، ولا يعتاقه قطّ... وثالثٌ كثرة ما ورد في أشعار المحدثين من الضرورات [1] ".

وابن جني لا يقف عند المساواة بين الشعراء الأقدمين والمولدين في إباحة الضرائر للفريقين، بل يجاوز هذا الموقف المتسامح إلى ما هو أوسع تسامحًا، فيرى أن ضرائر المتأخرين أولى بالاغتفار، وأن ضرائر المتقدمين أحقّ باللوم. فالأوائل أصحاب ملكات سليمة، واللغة في زمانهم كانت نقية صافية. والمتأخرون عاشوا في زمان الاختلاط وفشوّ العجمة، وفي الحواضر التي فسدت فيها السلائق، فكيف تبرأ ألسنتهم من الضرائر؟ قال ابن جني:"إذا جاز عيب أرباب اللغة وفصحاء شعرائنا كان مثل ذلك في أشعار المولّدين أحرى بالجواز [2] ".

(1) المصدر السابق 1 / 328

(2) المصدر السابق 1 328

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت