فهرس الكتاب

الصفحة 22096 من 23694

على هذا النحو من النظر المنطقي الواقعي نظر ابن جني إلى الضرائر، فكان من أشدّ النحاة تسامحًا، وعذر الأقدمين والمحدثين على السواء، وكان في قبول الضرائر المحدثة أرحب صدرًا وأوسع عذرًا. فكيف كان موقف أحمد بن فارس من هذه الظاهرة النحوية، وهو علم من أعلام اللغة والنحو عاش في زمان ابن جني، وعايش الشعراء الذين عايشهم ابن جني؟

يبدأ ابن فارس رسالته (ذم الخطأ في الشعر) بمقدمة، تعدُّ طويلة إذا قيست بمقدماته في رسائله الأخرى، يتكلم فيها على تفرّد البشر من بين المخلوقات بالنطق، وقدرتهم على الإبانة، ويخصّ الأنبياء بالتفوّق في البيان، لأنهم كُلّفوا بإبلاغ البشر شرائع الله. ولهذا، فإن الله"عصمهم من كل شائنة، ونزههم عن كل دنيّة [1] ".أمَّا البشر فهم متفاوتون في القدرة على التعبير، فيهم العالم والجاهل، والمخطئ والمصيب. والتناقض سمة من سمات الحياة والأحياء،"فلو لم يكن جهل لم يعُرف علم، ولو لم يكن خطأ لم يعرف صواب، لأنَّ الأشياء تعرف بأضدادها" [2] .

بعد هذه المقدمة يتحدث ابن فارس عن فريق من الشعراء القدماء، أصابوا في أكثر شعرهم، وجانبوا الصواب في أقلّه،"وجاء النحاة فجبنوا عن اتهام الأقدمين بالخطأ، ونظروا إلى الشعر القديم بعين الإجلال، وجعلوا يوجهون لخطأ الشعراء وجوهًا، ويتمحّلون لذلك تأويلات، حتّى صنعوا فيما ذكرناه أبوابًا، وصنفوا في ضرورات الشعر كتبًا" [3] . ثمَّ يُتبع الشيخ كلامه هذا بنموذجات من ضرائر الحذف وفكّ الإدغام، ويذكر أقوال سيبويه في تخريجها ذكر الساخر المستنكر، لا ذكر المظاهر المعترف.

(1) مجلة معهد المخطوطات العربية، مج 25 الجزآن 221 ص 45

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت