فهرس الكتاب
فإذا فرغ من العرض انتقل إلى المناقشة. فسخر من الحجة التي يلجأ إليها النحاة، واستنكر أشد الاستنكار تسويغ الخطأ، وتسميته ضرورة. وهذه الحجة هي: أنه يجوز للشاعر ما لا يجوز للخطيب والكاتب، ويجرّد الشعراء من هذا الحق، ويهزأ منهم وممن بايعهم بإمارة الكلام، ويرى أن النحاة أمروا على دولة الفصاحة والبلاغة قومًا غير أكفّاء، فيقول:"وهَبْنا جعلنا الشعراء أمراء الكلام، فلِمَ أجزنا لهؤلاء الأمراء أن يخطئوا، ويقولوا ما لم يقله غيرهم؟" [1] .
من تساؤل أحمد بن فارس يتبيّن لك أن الخطأ نزع منهم الجدارة بالإمارة، ونقلهم من صفوف الملوك إلى صفوف السوقة. أمَّا احتجاجهم بإقامة الوزن فحجّة داحضة، وعذر مضعوف، لأنهم غير مكرهين على قول سليم الوزن عليل الصحة. يقول أحمد بن فارس:"ونحن لم نَرَ، ولم نسمع بشاعر اضطره سلطان أو ذو سطوة بسوط أو سيف إلى أن يقول في شعره ما لا يجوز، ومالا تجيزونه أنتم في كلام غيره" [2] .
ولسائل أن يسأل ابن فارس بعد أن استنكر فعل الشعراء والنحاة عن المخرج من هذا المأزق. فما المخرج؟ وكيف نعامل الشعراء؟ عالج الشيخ المشكلة بأسلوب صارم حازم، يريح الشعراء والنحاة من أعباء التأويل والتعليل، وهو أن يحذف الشاعر من قصيدته كل بيت فيه تعبير متعثّر، أو خروج على الأصول. يقول ابن فارس عن الفرزدق بعد أن يزري بهفواته:"ولو أنه أعرض عن هذا الملحون المعيب لكان أحرى به" [3] .
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق، ص50..