فهرس الكتاب

الصفحة 22098 من 23694

يبدو ابن فارس في هذه الرسالة علمًا فردًا، يكره التقليد والمصانعة، ويؤثر الصراحة والحفاظ على اللغة. ويبدو كذلك حَكَمًا عادلًا، يشوب العدل بالقسوة، يجبه من سبقه ومن عايشه برأي واضح، ويقارع المتسامحين مقارعة لا تعرف المجاملة واللين. وهو في مقارعته يبارز أعتى الخصوم من الشعراء والنحاة. يختار أقوال سيبويه، ويفندها، وضرائر الفرزدق ويزري بها. ولكنه لا يفعل ما يفعل إلا بعد أن يخرج الشعر والنحو من الدرع التي يحتميان بها، وهي الحفاظ على الوزن. إن الوزن في رأي ابن فارس ليس إلا ذريعة، يتذرع بها الضعفاء، ويقبع وراءها الخطأ خزيان ذميمًا. فمن أحب أن يطاول قمة الشعر فعليه أن يرقى إليها من مسالكها لا من الشعاب الملتوية.

ولعل أقسى ما في هذه الرسالة أن ابن فارس ينزع من الشعراء سلاحهم، وهو أنهم فوق النحو وقبل النحو، وأنه يسمي الضرائر لحنًا صُراحًا، فيقول عن الشعراء:"إنهم يخطئون كما يخطئ الناس" [1] . ولم يسبقه إلى هذه الصراحة إلا المبرّد في حديثه عن الضرائر القبيحة. غير أن ابن فارس كان أوضح من المبرد وأصرح، وأقسى على الشعراء وأعتى. فالضرائر كلها قبيحة، والقبح كله خطأ، والخطأ في اللغة والنحو لحن. والشعراء والكتاب سواء أمام القضاء.

ولا يمكن أن نردّ موقف ابن فارس هذا إلى تحامله على الشعر. فقد كان الشيخ يقرض الشعر إلى جانب غيرته على اللغة والنحو، وله في الشعر مقطعات لطيفات. وإنما يمكن أن نرده إلى طبيعة ابن فارس، وإلى ثقافته العربية الخالصة، وإلى تعلقه بلغة القرآن الكريم وانصرافه إلى دراسة اللغة وتصنيف المعجمات.

(1) المصدر السابق، ص51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت