فهرس الكتاب

الصفحة 22099 من 23694

وهذا الموقف لا يعني أن ابن جني وأبا علي الفارسي كانا أضعف منه غيرة، وأوهى حميّة، إلا أنهما غرقا في المنطق، وبرعا في القياس، وكلفا بتشقيق الحجج وتفريع القواعد. وبقي ابن فارس سادن اللغة الحريص على نقائها وصفائها. ولما كان النحو قياسًا يتّبع، وكانت اللغة سماعًا ورواية، فقد مال ابن جني وشيخة أبو علي إلى إخضاع الضرائر للقياس، وإلى تخريجها بما يرضي العقل، ومال ابن فارس إلى صيانة اللغة، وغسلها من الأوضار.

والفرق بين الموقفين لا يقتصر على الشعر القديم وضرائره، بل يمتد إلى الشعر المحدث وعواره. فابن جني يتيح للمحدثين ما أتيح للأقدمين من رُخص، ولا يرى أدنى غضاضة في إتيانها. وابن فارس يريد أن يقمع هذه الظاهرة قمعًا، وأن يجتثها اجتثاثًا. ولو أنه كتب لرأيه البقاء والغلبة لأراح النحو من نصف مشكلاته، وأقاله من أسوأ عثراته، لأنَّ أكثر مسالكه التواء تتعرج في دواوين الشعر، ولأن أوعر طرقه مسالك تطؤها أقدام الشعراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت