فهرس الكتاب
كان الغزل بابًا آخر ثبتت من خلاله زندقة بشار، ذلك لأنه كان يميل إلى الغزل كميله إلى الهجاء، لا بل كان غزله في نظر الزهاد والمصلحين أشد خطرًا على الناس من هجائه، لشيوع شعره وسرعة انتشاره وسهولة جريانه على الألسنة، إضافة لما كان ينطوي عليه من إباحية وفساد، فقيل ليس في البصرة غزل ولا غزلة إلا ويروي شعر بشار، من أجل ذلك كثر من هاجمه فقال سوار بن عبد الله ومالك بن دينار:"ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى" [1] ، وكان واصل بن عطاء يقول:"إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لَكلماتُ لهذا الأعمى الملحد" [2] ، والواقع أن هذه المخاطر التي تصورها المصلحون والمفكرون والزهاد في غزل بشار كانت في غاية المبالغة، وخصوصًا أنّ نفرًا من النقاد لم يرَ في شعره كل هذا الفساد الذي أشير إليه، فقد قيل للمهدي حين منع بشارًا من ذكر النساء في شعره:"ما أحسب شعر هذا أبلغ في هذه المعاني من شعر كُثَيّر وجميل وعروة وقيس بن ذريح وتلك الطبقة" [3] غير أنّ المهدي كما تقول المصادر كانت عنده غيرة على النساء فمنع بشارًا من التغزل بهن فقال:"ليس كلّ من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها وبشار يقارب النساء حتى لا يخفى عليهن ما يقول وما يريد وأي حرة حصان تسمع قول بشار فلا يؤثر في قلبها، فكيف بالمرأة الغزلة والفتاة التي لا همّ لها إلا الرجال" [4]
إنّ موقف المهدي من غزل بشار لا يستقيم على قاعدة واحدة، فهو وإن كان غيورًا على النساء، خائفًا من الفتنة التي يصنعها بشار في قلوبهن، إلا أنّه في مجالسه الخاصة كان يدعوه إلى إجازة ما يرتج عليه من أبيات في الغزل، كالذي رواه الأصفهاني في قوله:"نظر المهدي"إلى جارية تغتسل.... فأنشأ يقول: نظرت عيني لحيني، ثم ارتج عليه فقال من بالباب من الشعراء قالوا: بشار، فإذن له فقال أجز: نظرت عيني لحيني، فقال بشار:
(1) نفسه: 3/184.
(2) نفسه.
(3) نفسه.
(4) نفسه.