فهرس الكتاب
هذه المواجهات تُعدّ تجارب حسّيةً مبسّطةً لعمليّة استحضار الغائب واستبعاد الحاضر. فبدلًا من الكدّ في اعتصار أذهاننا ونزع أنفسنا من حذائنا ووضعِها في حذاء الآخر - كما يقول الإنجليز - لكي نرى أنفسنا بعيون ذلك الآخر، ها نحن مع الآخر وجهًا لوجه، نرى أنفسنا في مرآته، ونكتشف من خلاله ما لم نعرفه عن أنفسنا من قبل، فالمبدأ النبويّ الكريم"المؤمن مرآة أخيه"غدا اليوم أكثر شمولًا وإحاطة، ليكون: الحضارة مرآةٌ لأختها، وشعوب العالم، في هذه القرية الكونيّة الواحدة، مرآةٌ بعضها لبعض.
هذا في البعد المكانيّ، فماذا حول البعد الزمانيّ؟ هل استطعنا أن نقرأ أجدادنا العرب القدماء، فاستحضرنا غائبهم واستبعدنا حاضرنا، بحيث استرجعنا البعد المفقود بيننا وبينهم، وأقَمْناه جسرًا يوصلنا إليهم، بحيث نجلس إليهم ونسمعهم كما لو كنّا نعيش معهم في عصرهم وبيئتهم وثقافتهم؟
لقد فقد كثيرٌ من النصوص القديمة جزءًا هامًّا من قيمته وجماله لأنّنا أسقطنا من حساباتنا ونحن نقرأه ذلك البعد المفقود الذي لم نحاول استعادته عن طريق استحضار الغائب.
ولعلّ أبرز عنصرٍ من عناصر هذا البُعد، في النصّ المكتوب خاصّةً، هو الإلقاء، لأنّه الجزء الهامّ من النص الذي لا يمكن أن يُكتب أو يُسمع، حتى ما قبل ظهور آلة التسجيل الصوتيّ على الأقلّ، مع عدم إغفال العناصر الأخرى لهذا البعد، كاستحضار البيئة والثقافة والعقائد والعادات المحليّة، وغيرها.