فهرس الكتاب

الصفحة 22155 من 23694

وقد التبس علينا فهمُ كثيرٍ من النصوص التراثيّة، الشعريّة والنثريّة، بسبب إهمالنا لهذا العنصر. ورغم اعترافنا بأنّ استحضارنا لعنصر الإلقاء لا يمكن أن يكون تامًّا وصحيحًا مئةً بالمئة، إذ لا يمكن للخيال البشريّ أن يستحضر صورةً غيبيّةً كما يمكن أن تصوّرها عدسةٌ سينمائيّة، ولكنّ عناصر اللغة والموضوع والفكرة، فضلًا عن معرفتنا بشخصيّة الشاعر أو الكاتب نفسه، وما كان يحيط بها من عوامل اجتماعيةٍ وثقافيةٍ وبيئيّة، كلّ ذلك سيمكّننا من تصوّر شكلٍ تقريبيّ لهذا العنصر المفقود.

ولنقرأ معًا مطلع المتنبّي الذي افتتح به داليّته المشهورة في هجاء كافور:

عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ ... بما مضى أم بأمرٍ فيكَ تجديدُ

رغم أنّ البيت هو مطلع واحدةٍ من أشهر قصائد هذا الشاعر العملاق فإنّ الشرّاح أخفقوا في الإمساك ببُعد الإلقاء، فانفلتت من بين أصابعهم عناصر الجمال الحقيقيّة في البيت. وقد حاولتُ الإمساك بهذه العناصر، أو بعضها، في كتابي (الواقعيّة الإسلاميّة في الأدب والنقد) حين قلت:

"شرّاح الديوان جميعًا يصرّون على أنّ المتنبّي يخاطب العيد في الموضعين (عيدٌ) و (يا عيدُ) ، أي إنّ التقدير في الأولى (يا عيدُ) أو (أنت عيدٌ) على أنّ الجملة في الحالين ابتدائيّةٌ لا محلّ لها من الإعراب."

إنّ روح الإعراب تنبئنا بالفاصل المعنويّ الكبير بين الجملة ذات المحلّ عامّةً والجملة غير ذات المحلّ. فالأولى حركةٌ وحياةٌ وتوثّبٌ وعطاء، والثانية توقّفٌ وترصّدٌ وانتظارٌ وإعداد، ولا سيّما إذا كانت إخباريّةً غير طلبيّة؛ الجملة الابتدائيّة الإخباريّة مثلًا تهيّئنا للمعنى القادم الذي به تتحقّق الحركة، فإن قدّمت لنا هي بنفسها المعنى كاملًا، بدون انتظار الجملة ذات المحلّ لتقوم بذلك الدور، كانت جملةً جامدةً حجريّةً على الأغلب، تتوقّف عند اللحظة التي عبّرت عنها فلا تتجاوزها إلى المستقبل أو حتى إلى الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت