فهرس الكتاب

الصفحة 22156 من 23694

هذا الجمود القاتل يسربل مطلع قصيدة المتنبّي، تُرى أيليق هذا العيب البيانيّ الظاهر في مطلع القصيدة بمكانتها الرفيعة في ديوان الشعر العربيّ؟

إنّنا لا نتبيّن هذا الإخفاق إلاّ حين نعدّ جملة (أنت عيدٌ) إخباريّةً ابتدائيةً لا محلّ لها من الإعراب. فلو تخيّلنا المتنبّي يُنشد مطلعه هذا، أتراه يسمّر رأسه وجسده باتجاهٍ واحدٍ وكأنّما صُبّا في قالبٍ من قطعةٍٍ واحدة، وهو يردّد بصوتٍ رتيبٍ ذي نغمةٍ ممتدّةٍ متّصلةٍ سقيمةٍ تذكّرنا باللهجة الإنشاديّة الجماعيّة لتلاميذ الكتاتيب: عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ؟

لا يمكن لناقدٍ وعَى الأبعاد الأربعة للشعر (اللغة والفكر والخيال والإلقاء) أن يتصوّر المتنبّي في هذه الصورة المُزريَة وهو يُنشد البيت؛ إنّني أتخيّله وقد وقف يسائل نفسه بدايةً، وهو يهزّ برأسه ساخرًا متألّمًا: أهذا عيدٌ، أيقولون إنّه العيد؟! ثمّ يحوّل حركة رأسه المتألّمة من الاتجاه الرأسيّ إلى الاتجاه الأفقيّ، مع تحوّله من التساؤل المتألّم إلى الإجابة الساخرة المتألّمة أيضًا: يا للسخرية.. أيّ عيدٍ هذا الذي يأتي والمصائبُ تنهال على رأسي لم تتراجع ولم تخفّ؟! تُرى أيُعقَل أن يحمل هذا العيد إليّ جديدًا يُنسيني الماضي؟ ما أبعد هذا عن التحقيق..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت